🕌 الإرجافُ.. خِنجَرُ الكَلِمَةِ المَسمُوم
#خطبة_جمعة #الإرجاف #الشائعات #حفظ_اللسان #الأخلاق #نوازل #أخلاق_المجتمع
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الكَلِمَةَ أمانَةً تُرفَعُ بها الدَّرجاتُ وتَزِلُّ بها الأقدام، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، أمَرَ بالتَّثَبُّتِ والبَيان، وحَذَّرَ من بَثِّ الرُّعبِ ونَشرِ الخُذلان، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أصدَقُ الناسِ لَهجَةً، وأثبَتُهم عِندَ المِحَنِ والمُدْلَهِمَّات، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، ثَمَّةَ سِلاحٌ صامِتٌ يَفتِكُ بالأمَّةِ من داخِلِها، لا يَحتاجُ إلى مَدافعَ ولا طائرات، بل يَحتاجُ فقط إلى لِسانٍ غافِلٍ وقَلبٍ مُنهَزِم. سِلاحٌ يَهزِمُ الجُيوشَ قَبلَ أن تَلتَقي، ويُسقِطُ المُدُنَ قَبلَ أن تُحاصَر، ويُزلزِلُ عَقيدَةَ المُؤمِنِ قَبلَ أن يَمَسَّهُ ابتِلاء. ما هو هذا السِّلاح؟ وكيفَ أصبَحَ بَعضُنا — بقَصدٍ أو بغيرِ قَصد — جُندِيّاً مَجَّانِيّاً في صُفوفِ أعدائِنا يَطعَنُ إخوانَهُ من الخَلف؟ الجَوابُ عَن هذا كلِّه سَنَعرِفُه اليوم، في خُطبَةٍ قَد تُغَيِّرُ طَريقَةَ نَظَرِكَ لِكلِّ كَلِمَةٍ تَسمَعُها أو تَكتُبُها.
أيُّها المُسلِمون، مَرَضُنا اليومَ اسمُهُ الشَّرعيُّ في كِتابِ الله: "الإرجاف".
والإرجافُ في لُغَةِ العَرَبِ مَأخوذٌ من الرَّجفَة، وهي الزَّلزلَةُ والاضطِرابُ الشَّديد. فالمُرجِفُ هو الذي يَنشُرُ الأخبارَ الكاذِبَة، ويُهَوِّلُ من قُوَّةِ العَدوّ، ويُشيعُ اليَأسَ في صُفوفِ المُؤمِنين، ليَجعَلَ قُلوبَهم تَرجُفُ خَوفاً وهَلَعاً ويَأساً.
واسمَعوا لِهذِه الآيَةِ العَظيمَةِ يا عِبادَ الله، وكيفَ جَمَعَ اللهُ المُرجِفينَ مع أخبَثِ صِنفَينِ عَلى وَجهِ الأرض. يقولُ جَلَّ وعَلا: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 60].
تَأمَّلوا! مَتى نَزَلَت هَذِه الآيَة؟ نَزَلَت والأمَّةُ في حالَةِ حَرب، والمُرجِفونَ يَبُثُّونَ الشَّائعاتِ لِتَكسيرِ المَعنَويَّات. فماذا كانَ العِقاب؟ هَل قالَ اللهُ عاتِبْهُم؟ لا، بل تَوَعَّدَهُم بِالاستِئصالِ والطَّردِ مِن مَدينَةِ رَسولِ الله ﷺ! لِماذا؟ لأنَّ العَدوَّ الظَّاهِرَ تَراهُ فَتَستَعِدُّ لَه، أمَّا المُرجِفُ فَهُوَ كَالسُّمِّ يَسري في الجَسَدِ وأنتَ لا تَشعُر.
وقد ذَكَرَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ مَعنىً دَقيقاً حين بَيَّنَ أنَّ العَدوَّ الدَّاخِليَّ الذي يُوَهِّنُ العَزائِم، أشَدُّ خَطَراً عَلى المُسلِمينَ مِن عَدوِّهِمُ الخارِجيّ، لأنَّ الأوَّلَ يَسلُبُكَ قُوَّةَ المُقاوَمَةِ مِنَ الدَّاخِل.
دَعونا نَنتَقِلُ الآنَ ألفاً وأربَعَمائَةِ سَنَةٍ لِلخَلف، إِلى الخَندَق.
تَخَيَّلوا المَشهَد.. عَشَرَةُ آلافِ مُقاتِلٍ يُحاصِرونَ المَدينَة. الجوعُ شَديد، البَردُ قارِس، الخَوفُ بَلَغَ مَبلَغاً عَظيماً حَتَّى وَصَفَهُ القُرآن: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾. في هَذِه اللَّحظَةِ الحَرِجَة، ما الَّذي كانَ يَفعَلُهُ المُنافِقونَ والمُرجِفون؟ هَل صَمَتوا؟ لا. بَدَأوا يَبُثُّونَ سُمومَهُم بَينَ الصَّحابَة، يَقولونَ ساخِرين: "مُحَمَّدٌ يَعِدُنا كُنوزَ كِسرى وقَيصَر، وأَحَدُنا لا يَأمَنُ عَلى نَفسِهِ أن يَذهَبَ لِقَضاءِ حاجَتِه!".
خَلَّدَ اللهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ الخَبيثَةَ في كِتابِه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12].
هذا هو الإرجافُ يا عِبادَ الله! التَّشكيكُ في وَعدِ الله، وتَضخيمُ قُوَّةِ الباطِل، وتَصويرُ أنَّ الهَزيمَةَ قَدَرٌ مَحتومٌ لا مَفَرَّ مِنه.
وفي المُقابِل، كَيفَ كانَ رَدُّ فِعلِ المُؤمِنينَ الصَّادِقينَ في نَفسِ المَشهَدِ ونَفسِ الحِصار؟ ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22].
ألا يُشبِهُ هَذا المَشهَدُ حالَنا اليَوم؟
انظُروا إِلى وَرِثَةِ الإرجافِ في عَصرِنا — عَصرِ الشَّاشاتِ والهَواتِف. يَجلِسُ أحَدُنا عَلى أريكَتِه، ويَأتيهِ مَقطَعٌ مُرعِبٌ عَن ضَخامَةِ سِلاحِ العَدوّ، أو خَبَرٌ كاذِبٌ عَن سُقوطِ الجَبَهات، أو مَقالٌ يَبُثُّ اليَأسَ ويَقولُ "انْتَهى كُلُّ شَيء، ضاعَتِ الأمَّة". فَماذا يَفعَل؟ بِضَغطَةِ زِرٍّ واحِدَة، يُرسِلُهُ إِلى مِئاتِ الأشخاصِ في مَجموعاتِ التَّواصُل. يَظُنُّ أنَّهُ يَنقُلُ "الأخبار"، وهُوَ في الحَقيقَةِ يَقومُ بِدَورِ المُرجِفِ الذي يُدَمِّرُ نَفسيَّةَ أمَّةٍ كامِلَة!
واسمَعوا لِهَذا الحَديثِ العَظيم، الذي كَأنَّهُ قيلَ لِعَصرِنا. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (رواهُ مُسلِم). كَفى بِهِ كَذِباً! لَستَ مُطالَباً يَا عَبدَ اللهِ أن تَكونَ وِكالَةَ أنباءٍ تَنقُلُ كُلَّ غَثٍّ وسَمين. أنتَ مَسؤولٌ عَن كُلِّ حَرفٍ تُرسِلُه.
يقولُ الفاروقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنه: "إيَّاكُم والفِتَن، فَإنَّ وَقْعَ اللِّسانِ فيها أشَدُّ مِن وَقْعِ السَّيف".
ومِن أخطَرِ صُوَرِ الإرجافِ اليَوم، ما نَراهُ عِندَ كُلِّ أزمَةٍ أو نازِلَةٍ تَحِلُّ بالمُسلِمين؛ أُناسٌ تَخَصَّصوا في النَّحيبِ والعَويلِ وشَتْمِ الأمَّة، وتَصويرِ العَدوِّ كَأنَّهُ إلَهٌ لا يُقهَر — مَعاذَ الله — يَعلَمُ السِّرَّ وأخفى، وتِكنولوجيَّتُهُ لا تُختَرَق! يَنسَونَ أو يَتَناسَونَ أنَّ العَدوَّ بَشَرٌ يَألَمونَ كَما نَألَم، وأنَّ اللهَ مِن وَرائِهِم مُحيط.
يَقولُ رَبُّنا واصِفاً هَذا الصِّنفَ المِعوانَ لِلشَّيطان: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: 83]. أذاعوا بِه! نَشَروه بِلا تَثَبُّت. وما هو العِلاجُ الرَّبَّاني؟ ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
ولَعَلَّكُم تَسألون: لِماذا يَفعَلُ المُرجِفُ ذَلِك؟ لِماذا يَعشَقُ بَعضُ النَّاسِ نَشرَ الأخبارِ السَّيِّئَة؟
قالَ العُلَماءُ إنَّ المُرجِفَ مَريضُ قَلب. هُوَ مُنهَزِمٌ مِنَ الدَّاخِل، ولأنَّهُ لا يَستَطيعُ أن يَنهَضَ لِيَعمَل، يُريدُ أن يُسقِطَ الجَميعَ مَعَهُ في مُستَنقَعِ اليَأس، لِيُبَرِّرَ لِنَفسِهِ قُعودَها. أمَّا المُؤمِنُ الصَّادِق، فَهُوَ يَرى النُّورَ مِن سَمِّ الخِياط، ويَرى الفَرَجَ مِن رَحِمِ البَلاء.
دعوني أقفُ بكُم موقِفاً ثانياً مِن السِّيرَةِ، موقِفاً تَهتَزُّ لهُ الجِبال.
في مَعرَكَةِ أُحُد، لَمَّا انكِشَفَ المُسلِمون، طارَت إشاعَةٌ خَبيثَة — إرجافٌ مُدَمِّر — قالوا: "قُتِلَ مُحَمَّد!". هذه الكَلِمَةُ كانَت أشَدَّ عَلى الصَّحابَةِ مِنَ السُّيوف. أُحبِطَ النَّاس، وألقى بَعضُهُمُ السِّلاح، وجَلَسوا في المَعرَكَةِ يَبكون، لا يَعرِفونَ ماذا يَفعَلون.
في هَذِه اللَّحظَة، مَرَّ بِهِم أنَسُ بنُ النَّضرِ رَضِيَ اللهُ عَنه. رَآهُم جالِسينَ والسُّيوفُ قَد سَقَطَت مِن أيديهِم، فَقال: "ما يُجلِسُكُم؟". قالوا: "قُتِلَ رَسولُ الله". هَل جَلَسَ أنَسٌ يَبكي مَعَهُم؟ هَل رَدَّدَ الإشاعَة؟
اسمَعوا إِلى كَلِمَةِ اليَقينِ الَّتي تَقطَعُ دابِرَ الإرجاف، قال: "فَما تَصنَعونَ بالحَياةِ بَعدَه؟ قوموا فَموتوا عَلى ما ماتَ عَلَيه!". ثُمَّ استَقبَلَ العَدوَّ وَحدَهُ، فَقُتِلَ وفي جَسَدِهِ بِضعٌ وثَمانونَ طَعنَةً وضَربَةً ورَميَة.
أنَسُ بنُ النَّضرِ كانَ يَعلَمُ أنَّ المَعارِكَ تُحسَمُ في القُلوبِ قَبلَ المَيدان.
أيُّها الإخوَة، الإمامُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ اللهُ ذَكَرَ فائِدَةً نَفيسَةً، قالَ ما مَعناه: إنَّ الشَّيطانَ لا يَفرَحُ بِشَيءٍ كَفَرَحِهِ بِحُزنِ المُؤمِنِ ويَأسِه، لِأنَّ الحُزنَ يُقَعِّدُ عَنِ العَمَل، ويُضعِفُ اليَقين. والمُرجِفُ هو بوقُ الشَّيطانِ الَّذي يَصُبُّ الحُزنَ واليَأسَ في أُذُنِك.
والسُّؤالُ الَّذي أترُكُهُ مَعَكُم الآن، لِيُفَكِّرَ فيهِ كُلُّ واحِدٍ مِنَّا:
حينَ تَفتَحُ هاتِفَك.. وحينَ تَجلِسُ في مَجالِسِ عائِلَتِكَ أو زُمَلائِك..
هَل أنتَ مِفتاحٌ لِلأمَلِ وحُسنِ الظَّنِّ بِالله؟ أم أنتَ مِعْوَلُ هَدمٍ تَنقُلُ الهَزيمَةَ النَّفسيَّةَ بِاسمِ "تَحليلِ الواقِع" ونَقلِ الأخبار؟
هَل أنتَ مِمَّن يُذَكِّرُ النَّاسَ بِأنَّ ﴿الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾؟ أم مِمَّن يُرَدِّدُ "أحاطَ بِنا العَدوّ، وهَلَكَتِ الأمَّة"؟
دَعوا هَذا السُّؤالَ يَدورُ في خَلَدِكُم، فكُلُّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِن فِيكَ أو مِن لَوحَةِ مَفاتيحِك، أنتَ مَوقوفٌ بِها بَينَ يَدَيِ الله.
أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن جَريمَةِ الإرجاف، وكَيفَ أنَّها خِنجَرٌ مَسمومٌ يَطعَنُ الأمَّةَ مِن ظَهرِها. ووَقَفنا عَلى صُوَرِ المُرجِفينَ قَديماً وحَديثاً، وكَيفَ أنَّ الكَلِمَةَ الَّتي تُبَثُّ بِلا تَثَبُّتٍ أو التي تَقصِدُ كَسرَ المَعنَويَّات، جَعَلَها القُرآنُ في مَقامِ صِفاتِ المُنافِقين. والآن، ونَحنُ نَعيشُ في واقِعٍ تَتَخَطَّفُنا فيهِ الأخبارُ مِن كُلِّ جانِب، كَيفَ نُحَصِّنُ أنفُسَنا؟ وكَيفَ نُتَرجِمُ هَذا إِلى واقِعٍ عَمَليّ؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): ثِقوا بِوَعْدِ اللهِ ثِقَةً لا يُزَعزِعُها خَبَرٌ ولا تَحليل. ازرَعوا في قُلوبِكُم اليَقينَ أنَّ اللهَ غالِبٌ عَلى أمرِه، وأنَّ الباطِلَ مَهما انتَفَشَ فَهُوَ إلى زَوال. ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. الهَزيمَةُ تَبدَأُ في القَلبِ قَبلَ المَيدان، فاحفَظوا قُلوبَكُم مِن عَدوى اليَأس.
الثَّانيَة (لِسانيَّة): أوقِفوا سِلسِلَةَ الإشاعاتِ عِندَكُم. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَن كانَ يُؤمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ فَليَقُل خَيراً أو لِيَصمُت». قَبلَ أن تَنقُلَ أيَّ خَبَرٍ أو مَقطَعٍ في هاتِفِك، اسأل نَفسَك: هَل هَذا خَبَرٌ مُتَيَقَّن؟ وهَل نَشرُهُ يَجلِبُ مَصلَحَةً لِلمُسلِمينَ أم يَبُثُّ فيهِمُ الرُّعب؟ إن كانَتِ الثَّانيَة.. فَامسَحهُ فوراً.
الثَّالِثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): كُونوا مَفاتيحَ لِلخَيرِ مَغاليقَ لِلشَّر. إذا رَأيتُم ضيقاً، بَشِّروا ولا تُنَفِّروا. انشُروا قِصَصَ الثَّبات، ومَواقِفَ العِزَّة، وآياتِ السَّكينَة. شارِكوا في دَعمِ قَضايا أمَّتِكُم بِالدُّعاءِ والمالِ والعَمَلِ الصَّالِح، فَهَذا هُوَ الرَّدُّ العَمَليُّ عَلى الإرجاف.
الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): إذا جَلَستُم في مَجلِسٍ وبَدَأَ أحَدُهُم يَبُثُّ الهَزيمَةَ النَّفسيَّة، أو يُرَوِّجُ لِقُوَّةِ أعداءِ الإِسلامِ بِانكِسار، فَلا تَصمُتوا. أوقِفوهُ بِأدَب، طالِبوهُ بِالدَّليل، وذَكِّروهُ بِأنَّ الأمَّةَ مَرَّت بِما هُوَ أشبَهُ وأشَدُّ (كالتَّتارِ والصَّليبيِّين)، ثُمَّ نَهَضَت وعادَت، لِأنَّ دِينَها مَحفوظٌ بِحِفظِ الله.
الخامِسَة (مَوضوعيَّة): في زَمَنِ الفِتَنِ والأزَمات، رُدُّوا الأُمورَ إِلى أهلِ العِلمِ والبَصيرة. لا تَجعَلوا مِن كُلِّ مُغَرِّدٍ أو مُحَلِّلٍ شَخصيَّةً تُوَجِّهُ قَناعاتِكُم. القُرآنُ أمَرَنا بالرُّجوعِ لِأهلِ الاستِنباط، لِأنَّهُم يَنظُرونَ بِنورِ الشَّرع، لا بِعاطِفَةِ اللَّحظَة.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ التَّقوى هي العاصِمُ مِن فِتَنِ الشُّبُهاتِ في العُقولِ والشَّهَواتِ في القُلوب.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، فَقَد قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ والتَّابِعين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا سَمِعَ الباطِلَ رَدَّه، وإذا سَمِعَ الحَقَّ اتَّبَعَه.
اللَّهُمَّ حَصِّن أمَّتَنا مِنَ المُنافِقينَ والمُرجِفين، واكفِنا شَرَّ الإشاعاتِ ومُثيريها، واجعَلنا مَفاتيحَ لِلأمَلِ وحُسنِ الظَّنِّ بِك.
اللَّهُمَّ ثَبِّت قُلوبَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، واربِط عَلى قُلوبِ المُستَضعَفين، والمَظلومين، والمُرابِطين. اللَّهُمَّ كُن لَهُم ناصِراً ومُعيناً، ومُؤَيِّداً وظَهيراً.
اللَّهُمَّ أَنزِل سَكينَتَكَ عَلى قُلوبِنا، واملأها يَقينًا بِوَعْدِك، واجعَلنا مِمَّن لا يَخافُ فيكَ لَومَةَ لائِم.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِن أسبابِ نَصرِ هَذا الدِّين، ولا تَستَبدِلنا يا رَبَّ العالَمين.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
الإرجافُ.. خِنجَرُ الكَلِمَةِ المَسمُوم
1,527 كلمةنص كامل · جاهز للقراءة والنسخ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.
كلماتٌ أخرى تحمل أثرًا
كل المكتبةخطب الجمعةالعربية
شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن سِيرَتِهِ العِلمِيَّةِ وَالجِهَادِيَّةِ وَشَهَادَةِ الأَئِمَّةِ وَالخُصُومِ بِفَضلِهِ وَآثَارِهِ الخَالِدَةِ وَالدِّفَاعِ عَنهُ
شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن سِيرَتِهِ العِلمِيَّةِ وَالجِهَادِيَّةِ وَشَهَادَةِ الأَئِمَّةِ وَالخُصُومِ بِفَضل…
العقيدة والإيمانالشباب والهويةالعلم والدعوة
2,457 كلمةاقرأ النص كاملًا
خطب الجمعةالعربية
ثَبَاتُ أَبنَاءِ تَعِزَّ وَصَبرُهُم فِي مَيَادِينِ الرِّبَاطِ وَدَفعِ البَغيِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن شَجَاعَةِ أَهلِ تَعِزَّ وَصُمُودِهِم فِي مُوَاجَهَةِ الحِصَارِ وَالعُدوَانِ وَفَضلِ المُرَابَطَةِ وَالذَّودِ عَنِ الدِّينِ
ثَبَاتُ أَبنَاءِ تَعِزَّ وَصَبرُهُم فِي مَيَادِينِ الرِّبَاطِ وَدَفعِ البَغيِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن شَجَاعَةِ أَهلِ تَعِزَّ وَصُمُودِهِم فِي مُوَاجَهَةِ…
العقيدة والإيمانقضايا الأمة
2,273 كلمةاقرأ النص كاملًا
خطب الجمعةالعربية
الخَسَارَةُ الكُبرَى وَالسَّعيُ الضَّائِعُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَنِ الأَخسَرِينَ أَعمَالًا الَّذِينَ يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحْسِنُونَ صُنعًا وَأَسبَابِ حُبُوطِ العَمَلِ وَشُرُوطِ قَبُولِهِ
الخَسَارَةُ الكُبرَى وَالسَّعيُ الضَّائِعُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَنِ الأَخسَرِينَ أَعمَالًا الَّذِينَ يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحْسِنُونَ صُنعًا وَأَسبَابِ حُب…
العقيدة والإيمانتزكية النفسالقرآن والتفسير
2,528 كلمةاقرأ النص كاملًا