🕌 إذا استعنتَ فاستَعِن بالله... بوصلةُ القلوب الغريقة
#خطبة_جمعة #الاستعانة_بالله #التوكل #العقيدة #شرح_حديث #اليقين #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الاستعانةَ به مِفتاحَ الفَرَج، وملاذَ الخائفين، وعِصمَةَ المُضطَرِّين. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، بِيَدِه مَقاديرُ السَّماواتِ والأرض، يُعطي ويَمنَع، ويَخفِضُ ويَرفَع، ولا يُقضى أمرٌ في الكَونِ إلَّا بإذنِه. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُتَوَكِّلين، وسَيِّدُ المُستَعينينَ بربِّهم، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومَن سارَ على نَهجِهِ واستَنَّ بسُنَّتِه إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، هل جَرَّبتُم يوماً شُعورَ الغَريقِ في لُجَّةِ بَحرٍ هائج؟ الأمواجُ تَلطِمُه من كُلِّ جانِب، والظُّلمَةُ تُحيطُ به، وقُواهُ تَخُور، واليابِسَةُ بَعيدة، ولا يَملِكُ في تِلك اللَّحظةِ إلَّا أن يَرفَعَ عَينَيهِ إلى السَّماءِ بِقَلبٍ مُنكَسِر، يَنتَظِرُ يَدَ الخَلاص.
في مَسيرةِ حَياتِنا هذه، نَحنُ جَميعاً غَرقى! نَعم يا كِرام، نَحنُ غَرقى في بَحرٍ من الهُموم، ومُتَطَلَّباتِ العَيش، ومَخاوِفِ المُستَقبَل، وأمراضِ الأجساد، وفِتَنِ الشُّبُهاتِ والشَّهَوات. وفي خِضَمِّ هذا الغَرَقِ اليَوميّ، يَقفِزُ إلى الأذهانِ سُؤالٌ مِحوَرِيٌّ، سُؤالٌ يُحَدِّدُ مَصيرَك وسَعادَتك: إلى مَن تَمُدُّ يَدَك؟ وبمَن تَستَغيث؟ ومَنِ الَّذي تَستَعينُ بهِ لِيَنتَشِلَكَ من غَرَقِك؟
واسمَعوا لِهذا المَشهَدِ النَّبَويِّ العَظيم. في يَومٍ من الأيَّام، رَكِبَ النَّبيُّ ﷺ دابَّتَه، وأردَفَ خَلفَهُ غُلاماً صَغيراً لم يَبلُغِ الحُلُمَ بَعد، هو عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاس رَضيَ اللهُ عنهما. وفي تِلكَ اللَّحظَةِ الهادِئَةِ في طُرُقاتِ المَدينة، التَفَتَ المُعَلِّمُ الأعظَمُ ﷺ إلى الغُلام، ليُلقِيَ في قَلبِهِ الغَضِّ عَقيدةً تَحمِلُ الجِبال. قال له، والكَلماتُ تَخرُجُ من فَمِ أصدَقِ مَن نَطَقَ بالضَّاد: «يا غُلامُ، إنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ: احفَظِ اللَّهَ يَحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدهُ تُجاهَكَ، إذا سَأَلتَ فَاسأَلِ اللَّهَ... وَإِذَا استَعَنتَ فَاستَعِن بِاللَّهِ».
تَأمَّلوا! لم يَقُل لهُ: إذا استَعَنتَ فابحَث عَن قَويٍّ، أو صاحِبِ سُلطان، أو ذي مال. بَل حَسَمَ القَضيَّةَ من جُذورِها: «وَإِذَا استَعَنتَ فَاستَعِن بِاللَّهِ».
قال الإمامُ ابنُ رَجَبٍ الحَنبَليُّ رَحِمَهُ الله في شَرحِهِ لِهذا الحَديث: "الاستعانَةُ هي طَلَبُ العَونِ، ولا تَكونُ في الحَقيقَةِ إلَّا للهِ عَزَّ وجَلَّ، لأنَّ العَبدَ عاجِزٌ عنِ استِجلابِ مَصالِحِه، ودَفعِ مَضارِّه، فَيَطلُبُ العَونَ مِمَّن يَملِكُ ذلكَ كُلَّه".
أيُّها المُؤمِنون، الاستعانَةُ ليسَت مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ نُردِّدُها، بَل هيَ مِحوَرُ حَياتِنا وكِتابِ رَبِّنا. في كُلِّ رَكعَةٍ نُصَلِّيها، لا تَصِحُّ صَلاتُنا إلَّا إذا وَقَفنا بَينَ يَدَيِ اللهِ نُعلِنُها مُدَوِّيَةً: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5].
ولَكُم أن تَسأَلوا: لِماذا قَرَنَ اللهُ العِبادَةَ بالاستعانَة؟ يُجيبُنا شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّة رَحِمَهُ الله قائِلاً: "العِبادَةُ غايَةٌ، والاستعانَةُ وَسيلَة. ولا يُمكِنُكَ أن تَصِلَ إلى غايَةِ اللهِ (العِبادَة) إلَّا بِوَسيلَةِ اللهِ (الاستعانَة)". بِمَعنى: أنَّكَ حَتَّى في وُضوئِك، وصَلاتِك، وبِرِّكَ لِوالِدَيك، وصِيامِك، لا تَستَطيعُ أن تَفعَلَ ذلكَ بِحَولِكَ وقُوَّتِك، بَل بِعَونِ اللهِ لَك. فَمَن لم يُعِنهُ الله، لم يَصُم، ولم يُصَلِّ، ولم يَنَل خَيراً.
فإذا كانَتِ الطَّاعَةُ الَّتي هيَ حَقُّ اللهِ لا تَقوَى عليها إلَّا بالاستعانَةِ به، فَكَيفَ بِشُؤونِ دُنياكَ؟ كَيفَ بِرِزقِك؟ كَيفَ بِتَربِيَةِ أبنائِك؟ كَيفَ بِشِفاءِ مَرَضِك؟
ألا تَتَفَكَّرون في واقِعِنا اليَوم؟ انظُروا إلى حالِ كَثيرٍ مِنَّا عِندَما تَنزِلُ بِهِمُ النَّوازِل، أو تَضيقُ عَلَيهِمُ السُّبُل. أوَّلُ ما يَلتَفِتُ إليهِ القَلبُ هوَ (المَخلوق). يَبحَثُ عَن (واسِطَة)، يَطرُقُ بابَ مُديرٍ، يَرتَجي مَسؤولاً، يَتَذَلَّلُ لِغَنيّ. يَقفِزُ القَلبُ إلى أسبابِ الأرضِ، ويَنسى مُسَبِّبَ الأسبابِ في السَّماء!
يَقولُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى مُصَوِّراً هذه الحسرَة: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: 81-82]. كُلُّ مَن تَستَعينُ بِهِ وتَركَنُ إليهِ رُكوناً كامِلاً مِن دونِ الله، سَيَكونُ سَبَباً في خِذلانِك، لا لِأنَّهُ سَيِّئٌ بالضَّرورة، بَل لِأنَّ اللهَ يَغارُ على قَلبِ عَبدِهِ أن يَتَعَلَّقَ بِسِواه، فَيَكِلُهُ إلى مَن تَعَلَّقَ بِه!
واسمَعوا لِهذا الحَديثِ الَّذي يَفصِلُ في هذه القَضيَّة. يَقولُ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «مَن تَعَلَّقَ شَيئاً وُكِلَ إلَيه» (رواه الترمذي وحسنه). كَلِمَةٌ واحِدَةٌ قاطِعَة! تَعَلَّقتَ بِطَبيبِك؟ وُكِلتَ إلى عِلمِهِ المَحدود. تَعَلَّقتَ بِرَصيدِكَ في البَنك؟ وُكِلتَ إلى أرْقامٍ قَد تَطيرُ في سُوقِ الأسهمِ في لَحظَة. تَعَلَّقتَ بِذَكائِكَ ومَهارَتِك؟ وُكِلتَ إلى ضَعفِك. أمَّا مَن تَعَلَّقَ بالله، فَمَن ذا الَّذي يَغلِبُ الله؟
عِبادَ الله، إنَّ الاستعانَةَ الحَقيقيَّةَ لا تَظهَرُ إلَّا في مَواطِنِ الكَربِ واليَأسِ البَشَري. وتَأمَّلوا مَعي هذا المَشهَدَ القُرآنيَّ المَهيب.
موسى عَلَيهِ السَّلامُ يَخرُجُ بِقَومِهِ مُطارَداً. فِرعَونُ بِجَيشِهِ الجَرَّارِ وعَتادِهِ وحِقدِهِ يَزحَفُ خَلفَهُم. وَصَلَ بَنو إسرائيلَ إلى شاطِئِ البَحرِ الأحمَر. البَحرُ الهائِجُ أمامَهُم، والسُّيوفُ المُشرَعَةُ خَلفَهُم، والجِبالُ عن يَمينِهِم وشِمالِهِم. انقَطَعَت كُلُّ أسبابِ الأرض!
في تِلكَ اللَّحظَةِ الحاسِمَة، صَرَخَ القَومُ بِلُغَةِ الحِساباتِ الماديَّةِ والأرقام: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61]. المَسألَةُ حُسِمَت عِندَهُم، المُعطَياتُ تَقولُ إنَّنا هالِكون.
لَكِنَّ نَبيَّ اللهِ موسى، الَّذي تَرَبَّى قَلبُهُ على «وإذا استَعَنتَ فاستَعِن بالله»، لم يَنظُر إلى البَحر، ولم يَلتَفِت إلى فِرعَون، بَل نَظَرَ بِقَلبِهِ إلى مَلِكِ المُلوك، ونَطَقَ بِالكَلِمَةِ الَّتي شَقَّت عُبابَ البَحرِ قَبلَ أن تَشُقَّهُ العَصا: ﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62].
كَلَّا! كَلِمَةٌ تَنسِفُ كُلَّ مَخاوِفِ الأَرض. إنَّ مَعيَ رَبِّي. وماذا كانَتِ النَّتيجَة؟ هل تَأخَّرَ العَون؟ ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63]. تَعَطَّلَت قَوانينُ الطَّبيعَة، وتَحَوَّلَ الماءُ السَّائِلُ إلى جِبالٍ واقِفَة، فَقَط لِأَنَّ عَبداً استَعانَ بِخالِقِ الماء!
ولَيست هذهِ قِصَّةً للتَّسليَة، بَل هيَ حَقيقَةٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَّا اليَوم. كَم مَرَّةً وَقَفتَ أمامَ "بَحرٍ" من الدُّيون، وخَلفَكَ "فِرعَونٌ" من المَطالِب؟ كَم مَرَّةً نَظَرَ إليكَ الطَّبيبُ وقال: لا أمَل، ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾؟ إذا التَفَتَّ في تِلك اللَّحظَةِ يَميناً وشِمالاً هَلَكت. ولَكِن إذا رَفَعتَ رأسَكَ وقُلتَ بيَقينِ موسى: ﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾، فَسَيَفلِقُ اللهُ لَكَ بَحرَ الهُمومِ طَريقاً لِليُسر، ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
ولَعَلَّكُم تَسأَلون: هل مَعنى الاستعانَةِ باللهِ أن نَترُكَ الأسباب؟ هل مَعناها أن لا نَذهَبَ إلى الطَّبيب، ولا نَسعى في طَلَبِ الرِّزق؟
يُجيبُنا الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله بِكَلِمَةٍ تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب، يَقول: "سِرُّ التَّوَكُّلِ والاستعانَةِ: أن تَقومَ بِالأسبابِ بِجَوارِحِك، وتَبرَأَ مِنها بِقَلبِك".
الجَوارِحُ تَعمَل، والقَلبُ يَتَوَكَّل. أنتَ تَأخُذُ الدَّواءَ بِيَدِك، وتَعرِفُ أنَّ الطَّبيبَ مُجَرَّدُ أداة، وأنَّ الشَّافيَ هوَ الله. أنتَ تَستَيقِظُ صَباحاً وتَذهَبُ إلى عَمَلِك، وتَعرِفُ أنَّ مُديرَكَ لا يَملِكُ نَفعاً ولا ضَرّاً إلَّا بِإذنِ الله، وأنَّ الرَّزَّاقَ في السَّماء: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 22].
ولِهذا لَمَّا جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْقِلُهَا (أي ناقتي) وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟ قَالَ: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» (رواه الترمذي وحسنه). الأخذُ بالأسبابِ طاعَة، والاعتمادُ عليها شِركٌ خَفي!
عِبادَ الله، أينَ نَحنُ مِن حَقيقَةِ الاستعانَةِ عِندَ الشَّدائِد؟ واسمَعوا لِهذا المَشهَدِ الثَّاني لِخَليلِ الرَّحمنِ إبراهيمَ عَلَيهِ السَّلام.
يُجمَعُ لَهُ الحَطَب، وتُشعَلُ نارٌ عَظيمَةٌ لم يُرَ مِثلُها قَطّ، ويُوضَعُ في المِنجَنيقِ لِيُقذَفَ فيها وحيداً فريداً، لا أهلَ ولا عَشيرَةَ يَنصُرونَه. وفي الحَديثِ الصَّحيحِ الَّذي رَواهُ البُخاريُّ عن ابنِ عبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما قال: "حَسبُنا اللهُ ونِعمَ الوَكيل، قالها إبراهيمُ عَلَيهِ السَّلامُ حينَ أُلقيَ في النَّار، وقالها مُحَمَّدٌ ﷺ حينَ قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾".
هذهِ الكَلِمَةُ «حَسبُنا الله» أي: يَكفينا الله. كَلِمَةُ المُستَعينِ الواثِق. فَماذا كانَ أثَرُ هذه الاستعانَة؟ هَل نَزَلَ مَطَرٌ لِيُطفِئَ النَّار؟ لا! جَلَّ وعَلا لم يَحتَج إلى سَبَبٍ آخَر، بَل غَيَّرَ خَصائِصَ النَّارِ ذاتِها: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69].
يا مَن أحرَقَتهُ نيرانُ القَلَق، ويا مَنِ اشتَعَلَت في قَلبِهِ مَخاوِفُ المُستَقبَل... مَن غَيرُ اللهِ يَجعَلُ هذهِ النِّيرانَ بَرداً وسَلاماً على قَلبِك؟ مَن غَيرُ اللهِ يَجبُرُ كَسرَك ويَرحَمُ ضَعفَك؟
﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62].
فَتَعَلَّقوا بِحَبلِ اللهِ المَتين، واقطَعوا حِبالَ المَخلوقينَ الضِّعاف.
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هوَ الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعدُ:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ مَعنى حَديثِ ابنِ عَبَّاس: "وإذا استَعَنتَ فاستَعِن بالله"، وعَرَفنا أنَّ العَبدَ لا حَولَ لَهُ ولا قُوَّةَ إلَّا بِعَونِ رَبِّه، ورَأَينا كَيفَ نَصَرَ اللهُ أنبياءَهُ حينَ انقَطَعَت بِهِمُ الأسبابُ وتَعَلَّقوا بِه وَحدَه. والآن، إخوَتي الأكارِم، بَقيَ السُّؤالُ العَمَليُّ الأَهَم: كَيفَ نُحَوِّلُ هذا اليَقينَ إلى واقِعٍ في مَسارِ أيَّامِنا؟ كَيفَ نَكونُ مِنَ المُستَعينينَ باللهِ حَقّاً؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): نَقِّ قَلبَكَ مِن شِركِ التَّعَلُّقِ بالأشخاص. إذا نَزَلَت بِكَ مُصيبَةٌ أو حاجَة، فَليَكُن أوَّلُ مَن يَخطُرُ بِبالِكَ هوَ "الله"، قَبلَ أن تُفَكِّرَ في الاتِّصالِ بِفُلانٍ أو زِيارَةِ عِلَّان. ادعُ اللهَ أوَّلاً، ثُمَّ ابحَث عَنِ الأسباب. مَن بَدَأَ باللهِ يَسَّرَ اللهُ لَهُ خَلقَه.
الثانية (لِسانيَّة): أكثِروا مِن قَولِ: «لا حَولَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله». قالَ النَّبيُّ ﷺ لأبي موسى الأشعَريِّ: «يا عَبْدَ اللَّهِ بنَ قَيْسٍ، ألَا أدُلُّكَ علَى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ؟ فَقُلتُ: بَلَى يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: قُلْ: لا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ» (متفق عليه). هذهِ الكَلِمَةُ لَيسَت لِلاسترْجاعِ عِندَ المَصائِبِ فَقَط، بَل هيَ كَلِمَةُ استعانَة. مَعناها: لا تَحَوُّلَ لي مِن حالٍ إلى حال، ولا قُوَّةَ لي على مَواجَهَةِ الحَياةِ إلَّا بِكَ يا رَبّ. رَدِّدها بِقَلبِكَ تَرى عَجَباً في تَيسيرِ أُمورِك.
الثالثة (عَمَليَّة): لا تَتَّخِذ قَراراً مُهِمّاً في حَياتِكَ هَذا الأُسبوع دُونَ أن تُصَلِّيَ رَكعَتَيِ «الاستِخارَةِ» و«الحاجَة». إذا احتَرتَ في أمرٍ صَلِّ رَكعَتَينِ واسأَلِ اللهَ أن يُوَجِّهَك. هَل هُناكَ استعانَةٌ أَعظَمُ مِن أن تَطلُبَ مِن خالِقِ المُستَقبَلِ أن يَختارَ لَكَ المُستَقبَل؟
الرابعة (اجتماعيَّة): أعِن إخوانَكَ لِيُعينَكَ الله. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ في الحَديثِ الصَّحيح: «واللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ» (رواه مسلم). هَل تُريدُ أن يُعاوِنَكَ مَلِكُ السَّماواتِ والأرض؟ كُن عَوناً لِمَكروب، وسَنَداً لِمَهموم، ومُقضِياً لِحاجَةِ أرْمَلَةٍ أو يَتيم.
الخامسة (موضوعيَّة): عودوا إلى بُيوتِكُم اليَوم، واجمَعوا أبناءَكُم، وعَلِّموهُم حَديثَ ابنِ عَبَّاسٍ كَما عَلَّمَهُ النَّبيُّ ﷺ للغُلام. اِغرِسوا في قُلوبِ الصِّغارِ أنَّ المُدَبِّرَ هوَ الله، وأنَّ الرَّازِقَ هوَ الله. الطِّفلُ الَّذي يَنشَأُ على "وإذا استَعَنتَ فاستَعِن بالله"، لا يَقنَطُ إذا كَبِر، ولا يَذِلُّ لِمَخلوق.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ التَّقوى هيَ أساسُ التَّوَكُّل، فَمَنِ اتَّقى اللهَ جَعَلَ لَهُ مِن كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً ومِن كُلِّ ضيقٍ مَخرَجاً.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، فَقَد قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلِّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبِيِّنا مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسأَلُكَ يا رَبَّنا أن تَجعَلَنا مِنَ المُتَوَكِّلينَ عَلَيكَ حَقَّ التَّوَكُّل، المُستَعينينَ بِكَ حَقَّ الاستعانَة.
اللَّهُمَّ اقطَع رَجاءَنا عَمَّن سِواك، حَتَّى لا نَرجُوَ أحَداً غَيرَك، ولا نَخافَ أحَداً سِواك.
اللَّهُمَّ مَن نَزَلَت بِهِ ضائِقَةٌ فَفَرِّجها بِقُدرَتِك، ومَن ضاقَ بِهِ الرِّزقُ فَاوسِع عَلَيهِ مِن فَضلِك، ومَن أتعَبَهُ المَرَضُ فاشفِهِ بِرَحمَتِك، إنَّكَ أنتَ القَويُّ العَزيز.
اللَّهُمَّ إنَّا ضُعَفاءُ فَقَوِّنا، وفُقَراءُ فَأغنِنا، وضالُّونَ فاهدِنا.
اللَّهُمَّ لا تَكِلنا إلى أنفُسِنا طَرفَةَ عَين، ولا أقَلَّ مِن ذَلِك، وأصلِح لَنا شَأنَنا كُلَّه.
اللَّهُمَّ انصُرِ المُستَضعَفينَ مِنَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ كُن لَهُم مُؤَيِّداً ونَصيراً، ومُعيناً وظَهيراً.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أکبَرُ، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
إذا استعنتَ فاستَعِن بالله... بوصلةُ القلوب الغريقة
1,765 كلمةنص كامل · جاهز للقراءة والنسخ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.
كلماتٌ أخرى تحمل أثرًا
كل المكتبةخطب الجمعةالعربية
ثَبَاتُ أَبنَاءِ تَعِزَّ وَصَبرُهُم فِي مَيَادِينِ الرِّبَاطِ وَدَفعِ البَغيِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن شَجَاعَةِ أَهلِ تَعِزَّ وَصُمُودِهِم فِي مُوَاجَهَةِ الحِصَارِ وَالعُدوَانِ وَفَضلِ المُرَابَطَةِ وَالذَّودِ عَنِ الدِّينِ
ثَبَاتُ أَبنَاءِ تَعِزَّ وَصَبرُهُم فِي مَيَادِينِ الرِّبَاطِ وَدَفعِ البَغيِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن شَجَاعَةِ أَهلِ تَعِزَّ وَصُمُودِهِم فِي مُوَاجَهَةِ…
العقيدة والإيمانقضايا الأمة
2,273 كلمةاقرأ النص كاملًا
خطب الجمعةالعربية
الخَسَارَةُ الكُبرَى وَالسَّعيُ الضَّائِعُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَنِ الأَخسَرِينَ أَعمَالًا الَّذِينَ يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحْسِنُونَ صُنعًا وَأَسبَابِ حُبُوطِ العَمَلِ وَشُرُوطِ قَبُولِهِ
الخَسَارَةُ الكُبرَى وَالسَّعيُ الضَّائِعُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَنِ الأَخسَرِينَ أَعمَالًا الَّذِينَ يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحْسِنُونَ صُنعًا وَأَسبَابِ حُب…
العقيدة والإيمانتزكية النفسالقرآن والتفسير
2,528 كلمةاقرأ النص كاملًا
خطب الجمعةالعربية
غَزوَةُ بَدرٍ الكُبرَى وَمَا حَولَهَا: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن يَومِ الفُرقَانِ وَدُرُوسِ النَّصرِ وَاليَقِينِ وَالشُّورَى وَالتَّوَاضُعِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ
غَزوَةُ بَدرٍ الكُبرَى وَمَا حَولَهَا: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن يَومِ الفُرقَانِ وَدُرُوسِ النَّصرِ وَاليَقِينِ وَالشُّورَى وَالتَّوَاضُعِ فِي السِّيرَةِ ال…
العقيدة والإيمانالسيرة والصحابة
1,516 كلمةاقرأ النص كاملًا