من مكتبة مِداد الخطيب

سِلسِلَةُ القَوَاطِعِ الأَربَعَةِ عَنِ الوُصُولِ إِلَى اللهِ (الخُطبَةُ الأُولَى): قَاطِعُ النَّفسِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَالهَوَى وَسَبِيلُ مُجَاهَدَتِهَا وَتَزكِيَتِهَا

مشاركة
سِلسِلَةُ القَوَاطِعِ الأَربَعَةِ عَنِ الوُصُولِ إِلَى اللهِ (الخُطبَةُ الأُولَى): قَاطِعُ النَّفسِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَالهَوَى وَسَبِيلُ مُجَاهَدَتِهَا وَتَزكِيَتِهَا الحَمدُ للهِ الَّذِي نَصَبَ لِعِبَادِهِ مَعَالِمَ الطَّرِيقِ المَوصِلِ إِلَى رِضوَانِهِ، وَفَتَحَ لِلسَّائِرِينَ إِلَيهِ أَبوَابَ قُربِهِ وَغُفرَانِهِ، وَحَذَّرَهُم مِنَ القَوَاطِعِ وَالعَوَائِقِ الَّتِي تَصُدُّ القُلُوبَ عَن جَنَّاتِهِ وَإِحسَانِهِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَنَستَعِينُهُ وَنَستَغفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا، مَن يَهدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، خَلَقَ النَّفسَ وَسَوَّاهَا، فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا، فَأَفلَحَ مَن بِطَاعَةِ اللهِ زَكَّاهَا، وَخَابَ وَخَسِرَ مَن بِالمَعَاصِي وَالأَهوَاءِ دَسَّاهَا، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، طَبِيبُ القُلُوبِ وَالأَرْوَاحِ، وَالدَّاعِي إِلَى طَرِيقِ الهُدَى وَالفَلَاحِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ السَّادَةِ الأَبرَارِ الَّذِينَ جَاهَدُوا أَنفُسَهُم فِي ذَاتِ اللهِ حَقَّ الجِهَادِ، وَعَلَى مَن سَارَ عَلَى نَهجِهِم إِلَى يَومِ التَّنَادِ، أَمَّا بَعد: فَأُوصِيكُم -أَيُّهَا النَّاسُ- وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَهِيَ الزَّادُ لِيَومِ المَعَادِ، وَهِيَ النُّورُ الَّذِي يَقطَعُ بِهِ السَّالِكُونَ عَقَبَاتِ الطَّرِيقِ إِلَى رَبِّ العِبَادِ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحكَمِ سُورَةِ الحَشر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ حَقِيقَةَ وُجُودِنَا فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنيَا أَنَّنَا مُسَافِرُونَ سَائِرُونَ إِلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، نَقطَعُ مَرَاحِلَ الأَعمَارِ نَفَسًا بَعدَ نَفَسٍ، وَيَومًا بَعدَ يَومٍ، حَتَّى نَنتَهِيَ إِلَى لِقَاءِ المَلِكِ الحَقِّ؛ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ الِانشِقَاق: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾. وَنَادَانَا سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الذَّارِيَاتِ نِدَاءَ النَّجَاةِ العَظِيم: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. غَيرَ أَنَّ هَذَا الطَّرِيقَ المَوصِلَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى دَارِ كَرَامَتِهِ، قَد قَعَدَ عَلَيهِ قُطَّاعُ طُرُقٍ أَربَعَةٌ، وَنُصِبَتْ فِيهِ أَربَعَةُ قَوَاطِعَ وَعَوَائِقَ عِظَامٍ، مَا خَسِرَ خَاسِرٌ وَلَا انقَطَعَ مُنقَطِعٌ عَنِ اللهِ إِلَّا بِسَبَبِ وَاحِدٍ مِنهَا أَو بِسَبَبِ اجتِمَاعِهَا عَلَيهِ! أَتَدرُونَ مَا هِيَ هَذِهِ القَوَاطِعُ الأَربَعَةُ الَّتِي أَجمَعَ عَلماءُ السُّلُوكِ وَالتَّزكِيَةِ وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللهُ عَلَى التَّحذِيرِ مِنهَا؟ إِنَّهَا: «النَّفسُ الأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ، وَالشَّيطَانُ الرَّجِيمُ، وَالخَلقُ المُلهُونَ عَنِ الحَقِّ، وَالدُّنيَا الفَانِيَةُ الغَرَّارَةُ»! وَهَا نَحنُ نَفتَتِحُ فِي جُمُعَتِنَا هَذِهِ -بِحَولِ اللهِ وَتَوفِيقِهِ- سِلسِلَةً إِيمَانِيَّةً مِن أَربَعِ خُطَبٍ نَكشِفُ فِيهَا أَسرَارَ هَذِهِ القَوَاطِعِ الأَربَعَةِ وَطُرُقَ النَّجَاةِ مِنهَا؛ وَنُخَصِّصُ هَذِهِ الخُطبَةَ الأُولَى لِلقَاطِعِ الأَوَّلِ وَالأَخطَرِ، وَالعَدُوِّ الأَقرَبِ الأَمكَرِ؛ أَلَا وَهُوَ: «قَاطِعُ النَّفسِ وَالهَوَى»! يَا عِبَادَ اللهِ: لِمَاذَا بَدَأنَا بِقَاطِعِ «النَّفسِ» قَبلَ الشَّيطَانِ وَالخَلقِ وَالدُّنيَا؟ لِأَنَّ الشَّيطَانَ وَالدُّنيَا وَالخَلقَ أَعدَاءٌ مِن خَارِجِكَ، أَمَّا النَّفسُ الأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ فَهِيَ عَدُوٌّ يَسكُنُ فِي دَاخِلِكَ بَينَ جَنبَيكَ! يَسهَرُ مَعَكَ إِذَا سَهِرتَ، وَيَنَامُ مَعَكَ إِذَا نِمتَ، وَيَدخُلُ مَعَكَ فِي خَلَوَاتِكَ وَصَلَوَاتِكَ! وَلِأَنَّ الأَعدَاءَ الثَّلَاثَةَ الآخَرِينَ (الشَّيطَانَ وَالدُّنيَا وَالخَلقَ) لَا يَقدِرُونَ عَلَى اقتِحَامِ حِصنِ قَلبِكَ إِلَّا إِذَا وَجَدُوا خَائِنًا مِنَ الدَّاخِلِ يَفتَحُ لَهُمُ الأَبوَابَ؛ وَذَلِكَ الخَائِنُ الدَّاخِلِيُّ هُوَ «النَّفسُ الأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ وَالهَوَى»! فَالشَّيطَانُ إِذَا مَرَّ بِقَلبٍ قَد قَهَرَ صَاحِبُهُ نَفسَهُ وَفَطَمَهَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، يَئِسَ مِنهُ وَرَجَعَ خَاسِئًا؛ أَمَّا إِذَا مَرَّ بِنَفسٍ شَرِهَةٍ لِلشَّهَوَاتِ، مَائِلَةٍ إِلَى الكَسَلِ وَالهَوَى، أَلقَى فِيهَا شَرَارَةَ الوَسوَسَةِ فَاحْتَرَقَتْ فِي الحَال! وَلِهَذَا السِّرِّ العَظِيمِ كَانَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَفتَتِحُ خُطَبَهُ دَائِمًا -كَمَا سَمِعتُم فِي مَطلَعِ هَذِهِ الخُطبَةِ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَنِ ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ- بِالِاستِعَاذَةِ بِاللهِ مِن شَرِّ النَّفسِ قَبلَ كُلِّ شَيءٍ فَيَقُولُ: «وَنَعُوذُ بِاللهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا، وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا»! وَلَمَّا سَأَلَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ-: يَا رَسُولَ اللهِ، مُرْنِي بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إِذَا أَصبَحتُ وَإِذَا أَمسَيتُ! قَالَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، عَالِمَ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلِّ شَيءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ، أَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ نَفسِي، وَشَرِّ الشَّيطَانِ وَشِرْكِهِ»! فَقَدَّمَ الِاستِعَاذَةَ مِن «شَرِّ النَّفسِ» عَلَى الِاستِعَاذَةِ مِن «شَرِّ الشَّيطَانِ»؛ لِأَنَّ النَّفسَ إِذَا صَلُحَتْ وَزَكَتْ تَحَطَّمَتْ عَلَى صَخرَتِهَا سِهَامُ الشَّيطَان! أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: لَقَد كَشَفَ القُرآنُ الكَرِيمُ لَنَا حَقِيقَةَ النَّفسِ البَشَرِيَّةِ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا تَتَقَلَّبُ فِي سَيرِهَا بَينَ ثَلَاثَةِ أَحوَالٍ وَأَوصَافٍ: فَالحَالُ الأُولَى: هِيَ «النَّفسُ الأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ»؛ وَهِيَ النَّفسُ إِذَا تُرِكَتْ عَلَى طَبِيعَتِهَا الأَرضِيَّةِ الطِّينِيَّةِ بِلَا تَزكِيَةٍ وَلَا لِجَامٍ مِنَ التَّقوَى؛ فَإِنَّهَا تَأمُرُ صَاحِبَهَا بِكُلِّ قَبِيحٍ، وَتَجرُّهُ إِلَى كُلِّ مَعصِيَةٍ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ يُوسُف: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. لَاحِظُوا صِيغَةَ المُبَالَغَةِ: ﴿لَأَمَّارَةٌ﴾! فَهِيَ لَا تَأمُرُ بِالسُّوءِ مَرَّةً ثُمَّ تَسكُتُ، بَل هِيَ كَثِيرَةُ الأَمرِ وَالإِلحَاحِ بِالسُّوءِ وَالشَّهَوَاتِ، إِلَّا مَن رَحِمَهُ اللهُ فَعَصَمَهُ وَأَعَانَهُ عَلَيهَا! وَالحَالُ الثَّانِيَةُ: هِيَ «النَّفسُ اللَّوَّامَةُ»؛ الَّتِي أَقسَمَ اللهُ بِهَا فِي سُورَةِ القِيَامَةِ فَقَالَ: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾؛ وَهِيَ نَفسُ المُؤمِنِ الحَيَّةُ اليَقِظَةُ الَّتِي إِذَا وَقَعَتْ فِي ذَنبٍ أَو تَقصِيرٍ لَامَتْ صَاحِبَهَا وَعَاتَبَتهُ وَقَرَّعَتهُ حَتَّى يَتُوبَ وَيَرجِعَ؛ قَالَ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «إِنَّ المُؤمِنَ وَاللهِ مَا تَرَاهُ إِلَّا يَلُومُ نَفسَهُ؛ يَقُولُ: مَا أَرَدتُ بِكَلِمَتِي؟ مَا أَرَدتُ بِأَكلَتِي؟ مَا أَرَدتُ بِحَدِيثِ نَفسِي؟ وَإِنَّ الفَاجِرَ يَمضِي قُدُمًا لَا يُعَاتِبُ نَفسَهُ»! وَالحَالُ الثَّالِثَةُ العُليَا: هِيَ «النَّفسُ المُطمَئِنَّةُ»؛ الَّتِي ذَلَّتْ لِأَمرِ اللهِ، وَأَنِسَتْ بِذِكرِهِ، وَاطمَأَنَّتْ إِلَى وَعدِهِ، حَتَّى تُنَادَى عِندَ رَحِيلِهَا وَيَومَ لِقَاءِ رَبِّهَا بِأَشرَفِ نِدَاءٍ فِي سُورَةِ الفَجر: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ۝ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾! وَلَكِنْ كَيفَ تَقطَعُ «النَّفسُ الأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ» الطَّرِيقَ عَلَى العَبدِ فَتَمنَعُهُ مِنَ الوُصُولِ إِلَى اللهِ؟ تَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- فِي أَربَعِ مَكَائِدَ وَعَقَبَاتٍ تَنصِبُهَا النَّفسُ الأَمَّارَةُ فِي طَرِيقِ السَّائِرِ إِلَى رَبِّه: المَكِيدَةُ الأُولَى: «صَنَمُ الهَوَى وَإِيثَارُ الشَّهوَةِ العَاجِلَةِ عَلَى الآخِرَةِ البَاقِيَةِ»! فَإِنَّ النَّفسَ بِطَبعِهَا كَالطِّفلِ الصَّغِيرِ؛ تُحِبُّ الحَلوَى العَاجِلَةَ وَإِن كَانَ فِيهَا هَلَاكُهَا، وَتَكرَهُ الدَّوَاءَ المُرَّ وَإِن كَانَ فِيهِ شِفَاؤُهَا! فَإِذَا أَطَاعَ الإِنسَانُ هَوَى نَفسِهِ فِي كُلِّ مَا تَشتَهِيهِ مِن مَالٍ أَو نَظرَةٍ أَو لَذَّةٍ أَو غَضَبٍ أَوِ انتِقَامٍ، صَارَ الهَوَى إِلَهًا مَعبُودًا يَقطَعُهُ عَنِ اللهِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الجَاثِيَة: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾! قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «مَا ذَكَرَ اللهُ الهَوَى فِي كِتَابِهِ فِي مَوضِعٍ إِلَّا ذَمَّهُ»، وَقَالَ الشَّعبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «إِنَّمَا سُمِّيَ الهَوَى هَوًى لِأَنَّهُ يَهوِي بِصَاحِبِهِ فِي النَّارِ»! وَالمَكِيدَةُ الثَّانِيَةُ لِلنَّفسِ: «الكَسَلُ وَالفُتُورُ وَالإِخلَادُ إِلَى الأَرضِ وَالتَّسوِيفُ»! كُلَّمَا نَادَى مُنَادِي الفَجرِ: «الصَّلَاةُ خَيرٌ مِنَ النَّومِ»، قَالَتْ لَكَ النَّفسُ: نَمْ قَلِيلًا فَاللَّيلُ طَوِيلٌ وَالفِرَاشُ دَافِئٌ! وَكُلَّمَا أَرَدتَ التَّوبَةَ أَو قِرَاءَةَ القُرآنِ أَو صِلَةَ الرَّحِمِ أَوِ الجِهَادَ فِي الطَّاعَةِ، قَالَتْ لَكَ النَّفسُ: غَدًا تَتُوبُ، وَفِي رَمَضَانَ القَادِمِ تَجتَهِدُ، وَبَعدَ التَّقَاعُدِ تَستَقِيمُ! تُثَبِّطُ العَزَائِمَ، وَتُثقِلُ البَدَنَ عَنِ المَكَارِهِ الَّتِي حُفَّتْ بِهَا الجَنَّةُ؛ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ»! وَالمَكِيدَةُ الثَّالِثَةُ لِلنَّفسِ: «الشُّحُّ وَالبُخلُ وَحُبُّ الِاستِئثَارِ»! فَإِذَا دُعِيَ العَبدُ إِلَى إِخرَاجِ زَكَاتِهِ أَوِ الصَّدَقَةِ وَمُوَاسَاةِ الفُقَرَاءِ وَالمَكلُومِينَ، قَامَتِ النَّفسُ الشَّحِيحَةُ تُخَوِّفُهُ الفَقرَ، وَتَقبِضُ يَدَهُ عَنِ البَذلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مُبَيِّنًا هَذَا الدَّاءَ الجِبِلِّيَّ فِي النُّفُوس: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾، وَجَعَلَ الفَلَاحَ كُلَّ الفَلَاحِ فِي الوِقَايَةِ مِنهُ فِي سُورَةِ الحَشر: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾! وَالمَكِيدَةُ الرَّابِعَةُ -وَهِيَ أَدَقُّ مَكَائِدِ النَّفسِ عَلَى أَهلِ الطَّاعَةِ-: «العُجبُ وَالغُرُورُ وَرُؤيَةُ العَمَلِ وَتَزكِيَةُ الذَّاتِ»! فَإِذَا عَجَزَتِ النَّفسُ عَن مَنعِ العَبدِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالعِلمِ، جَاءَتهُ مِن بَابِ العُجبِ وَالإِدْلَالِ عَلَى اللهِ وَاحتِقَارِ العُصَاةِ! فَتَقُولُ لَهُ: أَنتَ مِنَ الصَّالِحِينَ الأَتقِيَاءِ، وَالنَّاسُ هَلكَى! فَتُحبِطُ عَمَلَهُ وَتَقطَعُهُ عَنِ اللهِ وَهُوَ يَحسَبُ أَنَّهُ يُحسِنُ صُنعًا! وَلِهَذَا نَهَانَا اللهُ عَن تَزكِيَةِ أَنفُسِنَا فَقَالَ فِي سُورَةِ النَّجم: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. وَقَالَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً عَجِيبَةً فِي تَشْرِيحِ هَذَا القَاطِعِ: «لَا يَزَالُ العَبدُ بِخَيرٍ مَا كَانَ لَهُ وَاعِظٌ مِن نَفسِهِ، وَكَانَتِ المُحَاسَبَةُ مِن هِمَّتِهِ؛ وَإِنَّ مَعصِيَةً تُورِثُ ذُلًّا وَانكِسَارًا وَافتِقَارًا إِلَى اللهِ، خَيرٌ مِن طَاعَةٍ تُورِثُ عِزًّا وَاستِكبَارًا وَإِدلَالًا بِالنَّفسِ عَلَى اللهِ»! بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ الأَعلَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَهلِ المُجَاهَدَةِ وَالتُّقَى، أَمَّا بَعد: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَاعلَمُوا أَنَّنَا بَعدَ أَن عَرَفنَا خُطُورَةَ هَذَا القَاطِعِ الدَّاخِلِيِّ «النَّفسِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ»، فَلَا بُدَّ أَن نَتَعَلَّمَ الدَّوَاءَ الشَّافِيَ، وَالسِّلَاحَ النَّاجِعَ الَّذِي نَقهَرُ بِهِ النَّفسَ وَنَزَكِّيهَا، حَتَّى تَنقَلِبَ مِن عَدُوٍّ قَاطِعٍ لِلطَّرِيقِ إِلَى مَطِيَّةٍ ذَلُولٍ تَحمِلُنَا إِلَى اللهِ وَإِلَى دَارِ كَرَامَتِه! وَيَتَلَخَّصُ هَذَا المَنهَجُ الرَّبَّانِيُّ فِي أَربَعَةِ أَركَانٍ عَمَلِيَّةٍ: الرُّكنُ الأَوَّلُ: «الِافتِقَارُ إِلَى اللهِ وَسُؤَالُهُ تَزكِيَةَ النَّفسِ وَعَدَمُ الِاتِّكَالِ عَلَيهَا طَرفَةَ عَينٍ»! فَإِنَّ نَفسَكَ بِيَدِ خَالِقِهَا، لَا تَزكُو إِلَّا بِفَضلِهِ وَتَوفِيقِهِ؛ كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ النُّور: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وَلِهَذَا كَانَ مِن أَكثَرِ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن زَيدِ بنِ أَرقَمَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ-: «اللَّهُمَّ آتِ نَفسِي تَقوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنتَ خَيرُ مَن زَكَّاهَا، أَنتَ وَلِيُّهَا وَمَولَاهَا»! وَالرُّكنُ الثَّانِي: «مُجَاهَدَةُ النَّفسِ فِي طَاعَةِ اللهِ وَفِطَامُهَا عَنِ الهَوَى»! فَقَد أَقسَمَ اللهُ فِي سُورَةِ الشَّمسِ أَحَدَ عَشَرَ قَسَمًا متتَابِعًا عَلَى أَنَّ الفَلَاحَ كُلَّهُ فِي تَزكِيَةِ النَّفسِ وَمُجَاهَدَتِهَا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾! وَوَعَدَ سُبحَانَهُ فِي خِتَامِ سُورَةِ العَنكَبُوتِ أَنَّ مَن جَاهَدَ نَفسَهُ فِي اللهِ فَتَحَ اللهُ لَهُ أَبوَابَ الهِدَايَةِ وَالتَّوفِيق: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾! وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَمُسنَدِ أَحمَدَ وَصَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن فَضَالَةَ بنِ عُبَيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: «أَلَا أُخبِرُكُم بِالمُؤمِنِ؟ مَن أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَموَالِهِم وَأَنفُسِهِم، وَالمُسلِمُ مَن سَلِمَ النَّاسُ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُجَاهِدُ مَن جَاهَدَ نَفسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَالمُهَاجِرُ مَن هَجَرَ الخَطَايَا وَالذُّنُوبَ»! فَإِذَا دَعَتكَ نَفسُكَ إِلَى نَظرَةٍ مُحَرَّمَةٍ أَو مَالٍ حَرَامٍ أَو قَطِيعَةِ رَحِمٍ، فَاضرِبْ وَجهَ هَوَاهَا بِسَيفِ الخَوفِ مِنَ المَقَامِ بَينَ يَدَيِ اللهِ؛ وَتَذكَّرْ وَعدَ اللهِ الصَّادِقَ فِي سُورَةِ النَّازِعَات: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾! وَالرُّكنُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ: «مُحَاسَبَةُ النَّفسِ كُلَّ يَومٍ، وَإِشغَالُهَا بِالحَقِّ قَبلَ أَن تَشغَلَكَ بِالبَاطِلِ»! قَالَ الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «حَاسِبُوا أَنفُسَكُم قَبلَ أَن تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنفُسَكُم قَبلَ أَن تُوزَنُوا، فإنه أَهوَنُ عَلَيكُم فِي الحِسَابِ غَدًا أَن تُحَاسِبُوا أَنفُسَكُمُ اليَومَ»! وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «نَفسُكَ إِن لَم تَشغَلهَا بِالحَقِّ شَغَلَتكَ بِالبَاطِلِ»! وَقَالَ أَحَدُ الصَّالِحِينَ يَصِفُ ثَمَرَةَ الصَّبرِ عَلَى مُجَاهَدَةِ النَّفسِ: «سُقتُ نَفسِي إِلَى اللهِ وَهِيَ تَبكِي، فَمَا زِلتُ أَسُوقُهَا حَتَّى انسَاقَتْ إِلَيهِ وَهِيَ تَضحَكُ»! وَصدقَ البُوصِيرِيُّ حِينَ قَال: وَخَالِفِ النَّفسَ وَالشَّيطَانَ وَاعصِهِمَا ... وَإِن هُمَا مَحَّضَاكَ النُّصحَ فَاتَّهِمِ وَالنَّفسُ كَالطِّفلِ إِن تُهمِلهُ شَبَّ عَلَى ... حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِن تَفطِمهُ يَنفَطِمِ فَابدَؤُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- مِن هَذَا اليَومِ بِمُجَاهَدَةِ النُّفُوسِ وَتَزكِيَتِهَا، لِنَستَعِدَّ فِي الخُطبَةِ القَادِمَةِ -بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى- لِكَشفِ القَاطِعِ الثَّانِي مِن قَوَاطِعِ الطَّرِيقِ إِلَى اللهِ وَهُوَ «الشَّيطَانُ الرَّجِيمُ وَمَدَاخِلُهُ عَلَى القُلُوبِ». ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى هَادِي النُّفُوسِ وَمُزَكِّيهَا؛ كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ فِي قَولِهِ الكَرِيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين. اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنتَ خَيرُ مَن زَكَّاهَا، أَنتَ وَلِيُّهَا وَمَولَاهَا. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا، وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا، وَمِن نَزَغَاتِ الشَّيطَانِ وَشِرْكِهِ، وَلا تَكِلنَا إِلَى أَنفُسِنَا طَرفَةَ عَينٍ وَلَا أَقَلَّ مِن ذَلِكَ، وَأَصلِحْ لَنَا شَأنَنَا كُلَّهُ يَا حَيُّ يَا قَيُّوم. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى مُجَاهَدَةِ أَنفُسِنَا وَأَهوَائِنَا فِي طَاعَتِكَ، وَقِنَا شُحَّ أَنفُسِنَا، وَاجعَلْ أَنفُسَنَا مُطمَئِنَّةً بِذِكرِكَ، رَاضِيَةً بِقَضَائِكَ، مُشتَاقَةً إِلَى لِقَائِكَ، وَاقطَعْ عَنَّا كُلَّ قَاطِعٍ يَقطَعُنَا عَنكَ يَا رَبَّ العَالَمِين. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.