من مكتبة مِداد الخطيب

سِلسِلَةُ القَوَاطِعِ الأَربَعَةِ عَنِ الوُصُولِ إِلَى اللهِ (الخُطبَةُ الثَّالِثَةُ): قَاطِعُ الخَلقِ وَآفَاتُ التَّعَلُّقِ بِالمَخلُوقِينَ وَسَبِيلُ تَحرِيرِ القَلبِ للهِ وَحدَهُ

مشاركة
سِلسِلَةُ القَوَاطِعِ الأَربَعَةِ عَنِ الوُصُولِ إِلَى اللهِ (الخُطبَةُ الثَّالِثَةُ): قَاطِعُ الخَلقِ وَآفَاتُ التَّعَلُّقِ بِالمَخلُوقِينَ وَسَبِيلُ تَحرِيرِ القَلبِ للهِ وَحدَهُ الحَمدُ للهِ الغَنِيِّ الحَمِيدِ، المُنْفَرِدِ بِالخَلقِ وَالرِّزقِ وَالعَطَاءِ وَالمَزِيدِ، الَّذِي بِيَدِهِ وَحدَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَإِلَيهِ يَرجِعُ الأَمرُ كُلُّهُ فِي الوَعدِ وَالوَعِيدِ، فَلَا يَملِكُ مَخلُوقٌ لِنَفسِهِ وَلَا لِغَيرِهِ ضَرًّا وَلَا نَفعًا وَلَا مَوتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا إِلَّا بِإِذنِ الفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَن قَطَعَ عَلَائِقَ قَلبِهِ عَنِ المَخلُوقِينَ، وَأَخلَصَ وِجهَتَهُ وَرَجَاءَهُ وَخَشيَتَهُ لِرَبِّ العَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الكَافِي لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيهِ، النَّاصِرُ لِمَنِ انقَطَعَ إِلَيهِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، الَّذِي صَدَعَ بِالحَقِّ لَا يَخشَى فِي اللهِ لَومَةَ لَائِمٍ، وَحَرَّرَ القُلُوبَ مِن رِقِّ العَبِيدِ وَالمَظَاهِرِ وَالمَغَانِمِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ السَّادَةِ الأَبرَارِ الَّذِينَ خَالَطُوا النَّاسَ بِأَجسَادِهِم وَعَلَّقُوا قُلُوبَهُم بِالمَلِكِ الجَبَّارِ، وَعَلَى مَن سَارَ عَلَى نَهجِهِم إِلَى يَومِ القَرَارِ، أَمَّا بَعد: فَأُوصِيكُم -أَيُّهَا النَّاسُ- وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَهِيَ العِزُّ الَّذِي لَا يَلحَقُهُ ذُلٌّ، وَالغِنَى الَّذِي لَا يَعتَرِيهِ فَقْرٌ وَلَا قُلٌّ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحكَمِ سُورَةِ الطَّلَاق: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. أَيُّهَا المُسلِمُونَ: مَا زِلنَا نَسِيرُ بِقُلُوبِنَا وَأَرْوَاحِنَا فِي رِحَابِ سِلسِلَتِنَا الإِيمَانِيَّةِ عَن «القَوَاطِعِ الأَربَعَةِ الَّتِي تَمنَعُ العَبدَ مِنَ الوُصُولِ إِلَى اللهِ: النَّفسِ، وَالشَّيطَانِ، وَالخَلقِ، وَالدُّنيَا»؛ وَبَعدَ أَن كَشَفنَا فِي الخُطبَةِ الأُولَى «قَاطِعَ النَّفسِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ»، وَفِي الخُطبَةِ الثَّانِيَةِ «قَاطِعَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ»، نَقِفُ اليَومَ فِي هَذِهِ الخُطبَةِ الثَّالِثَةِ مَعَ قَاطِعٍ خَطِيرٍ طَالَمَا تَحَطَّمَتْ عَلَى صَخرَتِهِ هِمَمٌ كَبِيرَةٌ، وَأُحبِطَتْ بِسَبَبِهِ أَعمَالٌ كَثِيرَةٌ؛ أَلَا وَهُوَ: «قَاطِعُ الخَلقِ وَالتَّعَلُّقُ بِالنَّاسِ مِن دُونِ الله»! عِبَادَ اللهِ: كَيفَ يَكُونُ «الخَلقُ» قَاطِعًا يَقطَعُ العَبدَ عَنِ الوُصُولِ إِلَى رَبِّهِ وَمَولَاهُ؟ لَا شَكَّ أَنَّ الإِنسَانَ مَدَنِيٌّ بِطَبعِهِ، لَا يَستَغنِي فِي مَعَاشِهِ وَدِينِهِ عَن مُعَاشَرَةِ النَّاسِ، وَالتَّعَاوُنِ مَعَهُم عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى، وَإِقَامَةِ الجُمَعِ وَالجَمَاعَاتِ، وَصِلَةِ الأَرحَامِ؛ وَلَكِنَّ «الخَلقَ» يَنقَلِبُونَ إِلَى «قَاطِعِ طَرِيقٍ مَهلِكٍ» حِينَ يَتَضَخَّمُ حَجمُهُم فِي قَلبِ العَبدِ وَعَينِهِ حَتَّى يَحجُبُوهُ عَن خَالِقِهِ سُبحَانَهُ! حِينَ يُصبِحُ هَمُّ الإِنسَانِ فِي صَبَاحِهِ وَمَسَائِهِ: «مَاذَا يَقُولُ النَّاسُ عَنِّي؟ وَكَيفَ أُرضِي فُلَانًا؟ وَكَيفَ أَسلَمُ مِن لِسَانِ فُلَانٍ؟ وَكَيفَ أَظهَرُ فِي أَعيُنِ المُتَابِعِينَ وَالنَّاظِرِينَ؟»؛ فَيُقَدِّمُ مَرضَاةَ المَخلُوقِ الضَّعِيفِ الفَقِيرِ عَلَى مَرضَاةِ الخَالِقِ القَوِيِّ الغَنِيِّ القدير! لَقَد قَطَعَ القُرآنُ الكَرِيمُ عُرُوقَ التَّعَلُّقِ المَرَضِيِّ بِالمَخلُوقِينَ مِن جُذُورِهَا، فَبَيَّنَ أَنَّ الخَلقَ كُلَّهُم -مِن أَعظَمِ مَلِكٍ إِلَى أَفقَرِ مَملُوكٍ- هُم عَبِيدٌ ضُعَفَاءُ مَحكُومُونَ بِقَدَرِ اللهِ، فُقَرَاءُ إِلَى رَحمَةِ اللهِ؛ كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ فَاطِر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ مُثَبِّتًا قَلبَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَقَلبَ كُلِّ مُؤمِنٍ أَمَامَ تَخوِيفِ النَّاسِ وَإِرجَافِهِم: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾! وَقَالَ الفَارُوقُ النَّبَوِيُّ الخَالِدُ لِابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا كَمَا فِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «وَاعلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجتَمَعَتْ عَلَى أَن يَنفَعُوكَ بِشَيءٍ لَم يَنفَعُوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجتَمَعُوا عَلَى أَن يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَم يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيكَ؛ رُفِعَتِ الأَقلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ»! أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِذَا تَأَمَّلنَا فِي وَاقِعِ النَّاسِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَجَدنَا أَنَّ «قَاطِعَ الخَلقِ» يَتَمَثَّلُ فِي أَربَعِ صُوَرٍ وَآفَاتٍ كُبرَى تَصُدُّ العَبدَ عَنِ الوُصُولِ إِلَى الله: الصُّورَةُ الأُولَى: «التِمَاسُ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ، وَالمُدَاهَنَةُ فِي الدِّينِ خَوفًا مِن مَلَامَتِهِم أَو طَمَعًا فِي دُنيَاهُم»! كَم مِن إِنسَانٍ يَعرِفُ الحَقَّ وَالهُدَى وَالحَلَالَ وَالحَرَامَ، وَلَكِنَّهُ يَترُكُ الحَقَّ أَو يَرتَكِبُ الحَرَامَ فِي أَفرَاحِهِ أَو أَحزَانِهِ أَو تِجَارَتِهِ أَو لِبَاسِ أَهلِهِ، فَتَقُولُ لَهُ: لِمَ فَعَلتَ ذَلِكَ وَأَنتَ تَعلَمُ أَنَّهُ يُغضِبُ اللهَ؟! فَيَقُولُ بِكُلِّ ضَعفٍ وَانهِزَامٍ: «استَحيَيتُ مِنَ النَّاسِ! وَخَشِيتُ أَن يَقُولَ النَّاسُ عَنَّا مُتَشَدِّدِينَ أَو مُتَخَلِّفِينَ، أَو أَن يَغضَبَ فُلَانٌ وَعَلَّانٌ»! فَاسْمَعْ -يَا مَن آثَرتَ رِضَا المَخلُوقِ عَلَى رِضَا الخَالِقِ- إِلَى هَذِهِ السُّنَّةِ الإِلَهِيَّةِ الصَّارِمَةِ الَّتِي نَطَقَتْ بِهَا أُمُّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَابنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «مَنِ التَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ، رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَى النَّاسَ عَنهُ؛ وَمَنِ التَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ، سَخِطَ اللهُ عَلَيهِ وَأَسخَطَ عَلَيهِ النَّاسَ»! وَفِي لَفظٍ لِأُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا حِينَ كَتَبَتْ إِلَى مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «فَإِنَّهُ مَنِ التَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ عَادَ حَامِدُهُ مِنَ النَّاسِ لَهُ ذَامًّا»! أَجَل وَاللهِ! إِنَّكَ لَو بَعتَ دِينَكَ وَآخِرَتَكَ لِتُرضِيَ النَّاسَ، فَإِنَّ اللهَ يُعَاقِبُكَ بِأَن يَقلِبَ قُلُوبَ أُولَئِكَ النَّاسِ أَنفُسِهِم عَلَيكَ، فَيَحتَقِرُونَكَ وَيَذُمُّونَكَ بَعدَ أَن كَانُوا يَمدَحُونَكَ؛ فَتَخسَرُ رِضَا اللهِ وَتَخسَرُ رِضَا النَّاسِ مَعًا! وَلِهَذَا مَدَحَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَولِيَاءَهُ الصَّادِقِينَ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ بِأَنَّهُم لَا يَعبَؤُونَ بِلَومِ الخَلقِ فِي ذَاتِ الله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾! وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ لِقَاطِعِ الخَلقِ: «الرِّيَاءُ وَالسُّمعَةُ وَالتَّزَيُّنُ لِأَعيُنِ المَخلُوقِينَ بِأَعمَالِ الآخِرَةِ»! وَمَا أَخطَرَ هَذَا القَاطِعَ فِي زَمَانِنَا هَذَا؛ زَمَنِ الكَمِيرَاتِ وَالشَّاشَاتِ وَحُبِّ الظُّهُورِ وَحَصدِ الإِعجَابَاتِ وَالمَدَائِحِ! يَعمَلُ العَبدُ الطَّاعَةَ أَوِ الصَّدَقَةَ أَوِ العُمرَةَ أَوِ الدَّعوَةَ، فَإِذَا بِقَاطِعِ الخَلقِ يَعترِضُ قَلبَهُ فَيَقُولُ لَهُ: «انشُرْ عَمَلَكَ لِيَرَاكَ النَّاسُ فَيَمدَحُوكَ وَيُعَظِّمُوكَ»! فَيَلتَفِتُ القَلبُ مِن نَظَرِ الرَّبِّ إِلَى نَظَرِ الخَلقِ، فَيَحْبَطُ العَمَلُ وَيَصِيرُ هَبَاءً مَنثُورًا! فِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن مَحمُودِ بنِ لَبِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَخوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيكُمُ الشِّركُ الأَصغَرُ»، قَالُوا: وَمَا الشِّركُ الأَصغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ! يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعمَالِهِم: اذهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنتُم تُرَاؤُونَ فِي الدُّنيَا، فَانظُرُوا هَل تَجِدُونَ عِندَهُم جَزَاءً»! وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي الحَدِيثِ الَّذِي كَانَ أَبُو هُرَيرَةَ يُغشَى عَلَيهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَبلَ أَن يُحَدِّثَ بِهِ مِن شِدَّةِ هَولِهِ: أَنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقضَى عَلَيهِم يَومَ القِيَامَةِ وَتُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ ثَلَاثَةٌ: قَارِئٌ لِلقُرآنِ وَعَالِمٌ، وَمُتَصَدِّقٌ بِالمَالِ، وَمُقَاتِلٌ قُتِلَ فِي المَعرَكَةِ! مَا الَّذِي قَطَعَهُم عَنِ اللهِ وَأَهوَى بِهِم فِي الجَحِيمِ مَعَ عِظَمِ صُورَةِ أَعمَالِهِم؟ إِنَّهُ «قَاطِعُ الخَلقِ»! يُقَالُ لِلأَوَّلِ: «إِنَّمَا تَعَلَّمتَ العِلمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأتَ القُرآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ، فَقَد قِيلَ!» وَيُقَالُ لِلثَّانِي: «إِنَّمَا فَعَلتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَد قِيلَ!» وَيُقَالُ لِلثَّالِثِ: «إِنَّمَا قَاتَلتَ لِيُقَالَ جَرِيءٌ، فَقَد قِيلَ!» ثُمَّ يُسحَبُونَ عَلَى وُجُوهِهِم فِي النَّارِ! وَالصُّورَةُ الثَّالِثَةُ لِقَاطِعِ الخَلقِ: «قُرَنَاءُ السُّوءِ وَرُفَقَاءُ الغَفلَةِ وَالفَسَادِ»! فَكَم مِن شَابٍّ أَو فَتَاةٍ أَو رَجُلٍ أَشرَقَ فِي قَلبِهِ نُورُ التَّوبَةِ وَالإِقبَالِ عَلَى اللهِ، فَلَمَّا جَلَسَ مَعَ قَرِينِ السُّوءِ وَصَدِيقِ الغَفلَةِ، سَخِرَ مِنهُ، أَو زَيَّنَ لَهُ المَعصِيَةَ، أَو جَرَّهُ إِلَى مَجَالِسِ اللَّهوِ وَالحَرَامِ، فَقَطَعَ عَلَيهِ طَرِيقَهُ إِلَى اللهِ وَأَردَاهُ فِي الهَاوِيَةِ! أَمَا سَمِعتُم صَرخَةَ النَّدَمِ الكُبرَى يَومَ القِيَامَةِ كَمَا صَوَّرَهَا اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الفُرقَانِ يَومَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ حَسرَةً بَعدَ فَواتِ الأَوَان: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ۝ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ۝ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾! نَزَلَتْ فِي عُقبَةَ بنِ أَبِي مُعَيطٍ الَّذِي كَانَ قَد نَطَقَ بِالشَّهَادَتَينِ، فَلَمَّا عَاتَبَهُ خَلِيلُهُ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ وَقَالَ لَهُ: «وَجهِي مِن وَجهِكَ حَرَامٌ إِن لَم تَرجِعْ إِلَى دِينِنَا وَتُؤذِ مُحَمَّدًا»، آثَرَ صُحبَةَ خَلِيلِهِ الكَافِرِ عَلَى رِضَا اللهِ وَرَسُولِهِ، فَقُتِلَ كَافِرًا يَومَ بَدرٍ؛ وَالعِبرَةُ بعمُومِ اللَّفظِ لِكُلِّ مَن قَطَعَهُ خَلِيلُ السُّوءِ عَن طَاعَةِ الله! وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَليَنظُرْ أَحَدُكُم مَن يُخَالِلُ»! وَالصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: «فُضُولُ المُخَالَطَةِ وَالاشتِغَالُ بِأَحوَالِ النَّاسِ وَعُيُوبِهِم عَن إِصلَاحِ النَّفسِ»! قالَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي «مَدَارِجِ السَّالِكِينَ»: «وَأَمَّا فُضُولُ المُخَالَطَةِ فَهُوَ الدَّاءُ العُضَالُ الجَالِبُ لِكُلِّ شَرٍّ؛ وَكَم سَلَبَتِ المُخَالَطَةُ وَالمُعَاشَرَةُ مِن نِعمَةٍ، وَكَم زَرَعَتْ مِن عَدَاوَةٍ، وَكَم غَرَسَتْ فِي القَلبِ مِن حَزَازَاتٍ تَزُولُ الجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ وَهِيَ فِي القُلُوبِ لَا تَزُولُ!»؛ يَظَلُّ المَرءُ يَتَتَبَّعُ أَخبَارَ فلَانٍ وَعَلَّانَ فِي المَجَالِسِ وَالشَّاشَاتِ، يَغتَابُ هَذَا، وَيَحسُدُ ذَاكَ، وَيَخُوضُ مَعَ الخَائِضِينَ، حَتَّى يَقسُوَ قَلبُهُ وَيَنسَى آخِرَتَه! بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ الأَعلَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَهلِ الإِخلَاصِ وَالنُّهَى، أَمَّا بَعد: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَتَذَكَّرُوا ذَلِكَ المَشهَدَ الرَّهِيبَ الَّذِي يَنقَطِعُ فِيهِ كُلُّ تَعَلُّقٍ بِالمَخلُوقِينَ؛ يَومَ تَقِفُ بَينَ يَدَيِ اللهِ حَافِيًا عَارِيًا فَرْدًا وَحِيدًا؛ كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الأَنعَام: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾! فِي ذَلِكَ اليَومِ العَظِيمِ، أَينَ النَّاسُ الَّذِينَ كُنتَ تَعصِي اللهَ لِأَجلِ رِضَاهُم؟ وَأَينَ الأَصحَابُ وَالمُتَابِعُونَ الَّذِينَ كُنتَ تُرَائِي بِأَعمَالِكَ لِتَنَالَ ثَنَاءَهُم؟ اِسمَعْ إِلَى قَولِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ عَبَس: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ۝ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ۝ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ۝ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾! فَإِذَا كَانَ الأَخُ وَالأُمُّ وَالأَبُ وَالزَّوجَةُ وَالوَلَدُ يَفِرُّونَ مِنكَ يَومَ القِيَامَةِ وَلَا يُعطِيكَ أَحَدٌ مِنهُم حَسَنَةً وَاحِدَةً، فَكَيفَ تَبيعُ دِينَكَ وَآخِرَتَكَ فِي الدُّنيَا لِأَجلِ كَلَامِ النَّاسِ وَنظَرَاتِ النَّاسِ الَّذِينَ لَن يُغنُوا عَنكَ مِنَ اللهِ شَيئًا؟! بَل إِنَّ كُلَّ صَدَاقَةٍ وَخُلَّةٍ قَامَتْ عَلَى مَعصِيَةِ اللهِ سَتَنقَلِبُ يَومَ القِيَامَةِ إِلَى عَدَاوَةٍ وَتَلَاعُنٍ، إِلَّا صُحبَةَ أَهلِ التَّقوَى وَالإِيمَانِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ الزُّخرُف: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾! فَكَيفَ يَسلَمُ المُؤمِنُ مِن «قَاطِعِ الخَلقِ» وَهُوَ يَعِيشُ بَينَ الخَلقِ؟ لَقَد وَضَعَ لَنَا أَئِمَّةُ الهُدَى كَالإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَابنِ الجَوزِيِّ وَابنِ القَيِّمِ رَحِمَهُمُ اللهُ ثَلَاثَ قَوَاعِدَ ذَهَبِيَّةً لِتَحرِيرِ القَلبِ مِن هَذَا القَاطِعِ: القَاعِدَةُ الأُولَى: أَن تَعلَمَ يَقِينًا أَنَّ «رِضَا النَّاسِ غَايَةٌ لَا تُدرَكُ، وَرِضَا اللهِ غَايَةٌ لَا تُترَكُ؛ فَاترُكْ مَا لَا يُدرَكُ، وَأَدرِكْ مَا لَا يُترَكُ»! قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ لِتِلمِيذِهِ يُونُسَ بنِ عَبدِ الأَعلَى: «يَا يُونُسُ، لَيسَ إِلَى السَّلَامَةِ مِنَ النَّاسِ سَبِيلٌ، فَانظُرِ الَّذِي فِيهِ صَلَاحُ نَفسِكَ فَالزَمهُ»، ثُمَّ أَنشَدَ قَائِلًا: رِضَا النَّاسِ غَايَةٌ لَا تُدرَكُ ... فَعَلَيكَ بِالأَمرِ الَّذِي يَصلُحُكْ فَاترُكْ مَا لَا يُدرَكُ لِمَا يُدرَكُ ... وَالزَمْ سَبِيلَ الحَقِّ إِذْ يَنصَحُكْ وَالقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَن تَقسِمَ النَّاسَ فِي مُخَالَطَتِكَ أَربَعَةَ أَقسَامٍ كَمَا قَسَّمَهُمُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: قِسمٌ مُخَالَطَتُهُم «كَالغِذَاءِ» لَا يُستَغنَى عَنهُ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ؛ وَهُمُ العُلَمَاءُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالصَّالِحُونَ النَّاصِحُونَ الَّذِينَ إِذَا رَأَيتَهُم ذَكَرْتَ اللهَ، وَإِذَا جَالَسْتَهُم زَادَ إِيمَانُكَ؛ فَاستَمسِكْ بِغَرزِهِم! وَقِسمٌ مُخَالَطَتُهُم «كَالدَّوَاءِ»؛ يُحتَاجُ إِلَيهِم فِي البَيعِ وَالشِّرَاءِ وَالمَعَاشِ وَالمَصَالِحِ؛ فَخَالِطهُم بِقَدرِ الحَاجَةِ مَعَ حُسنِ الخُلُقِ وَالنُّصحِ، فَإِذَا انتَهَتْ حَاجَتُكَ فَعُدْ إِلَى رَبِّكَ وَبَيتِكَ! وَقِسمٌ مُخَالَطَتُهُم «كَالدَّاءِ وَالسُّمِّ القَاتِلِ»؛ وَهُم أَهلُ البِدَعِ وَالشُّبُهَاتِ وَالفُجُورِ وَالمُجُونِ؛ فَفِرَّ مِنهُم فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ! وَالقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَن يَكُونَ جَسَدُكَ مَعَ الخَلقِ بِالإِحسَانِ وَالأَدَبِ وَالصَّبرِ عَلَى أَذَاهُم، وَيَكُونَ قَلبُكَ وَسِرُّكَ مُعَلَّقًا بِاللهِ وَحدَهُ؛ لَا تَرجُو إِلَّا اللهَ، وَلَا تَخشَى إِلَّا اللهَ، وَلَا تَبتَغِي بِعَمَلِكَ إِلَّا وَجهَ الله! فَحَرِّرُوا قُلُوبَكُم -رَحِمَكُمُ اللهُ- مِن أَسرِ المَخلُوقِينَ، لِنَلتَقِيَ فِي الخُطبَةِ الرَّابِعَةِ وَالخِتَامِيَّةِ مِن هَذِهِ السِّلسِلَةِ -بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى- مَعَ القَاطِعِ الرَّابِعِ وَالأَخِيرِ وَهُوَ «قَاطِعُ الدُّنيَا الفَانِيَةِ وَفِتنَتِهَا». ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي قَولِهِ الكَرِيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين. اللَّهُمَّ اقطَعْ عَن قُلُوبِنَا كُلَّ تَعَلُّقٍ بِغَيرِكَ، وَاجعَلْ هَمَّنَا رِضَاكَ، وَغَايَتَنَا لِقَاءَكَ، وَأَخلِصْ أَعمَالَنَا كُلَّهَا لِوَجهِكَ الكَرِيمِ، وَطَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمعَةِ وَالنِّفَاقِ وَمُدَاهَنَةِ الخَلقِ عَلَى حِسَابِ دِينِكَ القَوِيم. اللَّهُمَّ ارزُقنَا صُحبَةَ الأَخيَارِ الَّذِينَ يُذَكِّرُونَنَا بِكَ وَيُعِينُونَنَا عَلَى طَاعَتِكَ، وَاصرِفْ عَنَّا وَعَن أَبنَائِنَا قُرَنَاءَ السُّوءِ وَدُعَاةَ الفِتنَةِ وَالضَّلَالَةِ، وَاكفِنَا بِحَلَالِكَ عَن حَرَامِكَ وَبِفَضلِكَ عَمَّن سِوَاكَ يَا رَبَّ العَالَمِين. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.