من مكتبة مِداد الخطيب

سِلسِلَةُ القَوَاطِعِ الأَربَعَةِ عَنِ الوُصُولِ إِلَى اللهِ (الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ): قَاطِعُ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ وَعَقَبَاتُهُ السَّبعُ وَالحُصُونُ الشَّرعِيَّةُ لِدَحرِ كَيدِهِ

مشاركة
سِلسِلَةُ القَوَاطِعِ الأَربَعَةِ عَنِ الوُصُولِ إِلَى اللهِ (الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ): قَاطِعُ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ وَعَقَبَاتُهُ السَّبعُ وَالحُصُونُ الشَّرعِيَّةُ لِدَحرِ كَيدِهِ الحَمدُ للهِ العَزِيزِ القَهَّارِ، الحَفِيظِ السَّتَّارِ، الَّذِي جَعَلَ ذِكرَهُ وَتَوحِيدَهُ حِصنًا حَصِينًا لِأَولِيَائِهِ الأَبرَارِ، وَرَدَّ كَيدَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ عَن عِبَادِهِ المُخلَصِينَ فِي خَسَارٍ وَبَوَارٍ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَنِ استَعَاذَ بِرَبِّهِ مِن نَزَغَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَاعتَصَمَ بِحَبلِ اللهِ فَنَجَا مِن كَمَائِنِ الغَاوِينَ وَالمُفسِدِينَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ، الَّذِي أَعلَمَنَا بِعَدَاوَةِ إِبلِيسَ وَجُنُودِهِ لِنَكُونَ مِنهُم عَلَى حَذَرٍ وَيَقِينٍ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، الصَّادِقُ الأَمِينُ، الَّذِي كَشَفَ لِلأُمَّةِ مَسَالِكَ الشَّيطَانِ وَخُطُوَاتِهِ، وَسَلَّحَهَا بِالوَحيِ وَالأَذكَارِ لِتَنجُوَ مِن حَبَائِلِهِ وَشُبُهَاتِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ السَّادَةِ الأَخيَارِ الَّذِينَ كَانَ الشَّيطَانُ يَفِرُّ مِن ظِلِّهِم وَطَرِيقِهِم لِعِظَمِ إِيمَانِهِم، وَعَلَى مَن سَارَ عَلَى نَهجِهِم إِلَى يَومِ الدِّينِ، أَمَّا بَعد: فَأُوصِيكُم -أَيُّهَا النَّاسُ- وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَهِيَ الدِّرعُ الوَاقِيَةُ مِن سِهَامِ إِبلِيسَ، وَالنُّورُ الكَاشِفُ لِظُلُمَاتِ التَّلبِيسِ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحكَمِ سُورَةِ الأَعرَاف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾. أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَقَد وَقَفنَا فِي الخُطبَةِ المَاضِيَةِ مَعَ مَطلَعِ سِلسِلَتِنَا الإِيمَانِيَّةِ عَن «القَوَاطِعِ الأَربَعَةِ الَّتِي تَمنَعُ العَبدَ مِنَ الوُصُولِ إِلَى اللهِ: النَّفسِ، وَالشَّيطَانِ، وَالخَلقِ، وَالدُّنيَا»؛ وَكُنَّا قَد فَصَّلنَا القَولَ فِي القَاطِعِ الأَوَّلِ وَهُوَ «النَّفسُ الأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ وَالهَوَى». وَاليَومَ نَقِفُ مَعَ القَاطِعِ الثَّانِي مِن قُطَّاعِ الطَّرِيقِ إِلَى اللهِ؛ إِنَّهُ العَدُوُّ الأَزَلِيُّ القَدِيمُ، وَاللِّصُّ الخَفِيُّ اللَّئِيمُ، الَّذِي لَا يَنَامُ عَنكَ وَإِن نِمتَ، وَلَا يَغفُلُ عَنكَ وَإِن غَفَلتَ، وَلَا يَرضَى مِنكَ بِأَقَلَّ مِن أَن يَقُودَكَ مَعَهُ إِلَى نَارِ الجَحِيمِ؛ إِنَّهُ «الشَّيطَانُ الرَّجِيمُ»! عِبَادَ اللهِ: إِنَّ عَدَاوَةَ الشَّيطَانِ لِإِنسَانِ لَيسَتْ عَدَاوَةً عَارِضَةً تَزُولُ بِالمُصَالَحَةِ أَوِ المُدَاهَنَةِ، بَل هِيَ عَدَاوَةُ وُجُودٍ وَمَصِيرٍ، بَدَأَتْ يَومَ أَبَى إِبلِيسُ أَن يَسجُدَ لِأَبِينَا آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ حَسَدًا وَكِبرًا، فَلَمَّا طَرَدَهُ اللهُ مِن رَحمَتِهِ أَعلَنَ حَربَهُ الشَّامِلَةَ عَلَى ذُرِّيَّةِ آدَمَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ! وَلِهَذَا لم يَكتَفِ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِأَن يُخبِرَنَا بِعَدَاوَةِ الشَّيطَانِ إِخبَارًا، بَل أَمَرَنَا أَمرًا جَازِمًا أَن نَتَّخِذَهُ عَدُوًّا فِي أَقوَالِنَا وَأَفعَالِنَا وَمَوَاقِفِنَا؛ فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ فَاطِر: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾! وَتَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- ذَلِكَ القَسَمَ الرَّهِيبَ الَّذِي أَقسَمَهُ إِبلِيسُ حِينَ أُهبِطَ، كَمَا حَكَاهُ اللهُ عَنهُ فِي سُورَةِ الأَعرَاف: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ۝ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾! يَا لَهَا مِن خُطَّةٍ عَسكَرِيَّةٍ مُحكَمَةٍ لِقَطعِ الطَّرِيقِ عَلَى السَّائِرِينَ إِلَى الله! إِنَّ إِبلِيسَ لَا يَقعُدُ لِلنَّاسِ فِي الحَانَاتِ وَأَمَاكِنِ الفُجُورِ فَحَسبُ، بَل قَالَ: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾! أَي أَنَّهُ يَقعُدُ لَكَ عَلَى طَرِيقِ الهُدَى وَالطَّاعَةِ وَالمَسجِدِ وَالعِلمِ وَالجِهَادِ وَالصَّدَقَةِ لِيَصُدَّكَ عَنهُ! وَقَالَ حَبرُ الأُمَّةِ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي تَفسِيرِ الجِهَاتِ الأَربَعِ الَّتِي يَأتِي مِنهَا الشَّيطَانُ: «أَمَّا قَولُهُ: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ فَمِن قِبَلِ آخِرَتِهِم، يُشَكِّكُهُم فِي البَعثِ وَالحِسَابِ وَيُنسِيهِمُ الآخِرَةَ! وَأَمَّا قَولُهُ: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ فَمِن قِبَلِ دُنيَاهُم، يُرَغِّبُهُم فِيهَا وَيُخَوِّفُهُمُ الفَقرَ عَلَى ذُرِّيَّتِهِم! وَأَمَّا قَولُهُ: ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ فَمِن قِبَلِ حَسَنَاتِهِم وَدِينِهِم، يُلَبِّسُ عَلَيهِمُ الحَقَّ بِالشُّبُهَاتِ وَالبِدَعِ وَالرِّيَاءِ! وَأَمَّا قَولُهُ: ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ فَمِن قِبَلِ سَيِّئَاتِهِم وَشَهَوَاتِهِم، يُزَيِّنُ لَهُمُ المَعَاصِيَ وَالفَوَاحِشَ!»؛ ثُمَّ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ رَحِمَهُمَا اللهُ لَطِيفَةً بَدِيعَةً: «وَلَم يَستَطِعْ أَن يَقُولَ: وَمِن فَوقِهِم؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ اللهَ مِن فَوقِهِم، وَأَنَّ رَحمَةَ اللهِ تَنزِلُ عَلَيهِم مِن فَوقِهِم»! وَلَقَد صَوَّرَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قُعُودَ الشَّيطَانِ لِلعَبدِ عَلَى طُرُقِ الخَيرِ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابنُ حِبَّانَ عَن سَبرَةَ بنِ أَبِي فَاكِهٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيطَانَ قَعَدَ لِابنِ آدَمَ بِأَطرُقِهِ؛ فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسلَامِ فَقَالَ: أَتُسلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ؟! فَعَصَاهُ فَأَسلَمَ! ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الهِجرَةِ فَقَالَ: أَتُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرضَكَ وَسَمَاءَكَ؟! فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ! ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الجِهَادِ فَقَالَ: هُوَ جَهدُ النَّفسِ وَالمَالِ، فَتُقَاتِلُ فَتُقتَلُ فَتُنكَحُ المَرأَةُ وَيُقسَمُ المَالُ؟! فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَن يُدخِلَهُ الجَنَّةَ»! أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ الشَّيطَانَ خَبِيرٌ بِنُفُوسِ البَشَرِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَأتِي الإِنسَانَ دَفعَةً وَاحِدَةً، بَل يَستَدرِجُهُ خُطوَةً بَعدَ خُطوَةٍ؛ وَلِهَذَا حَذَّرَنَا اللهُ مِن «خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ» فَقَالَ فِي سُورَةِ البَقَرَة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾. وَقَد كَشَفَ الإِمَامُ الرَّبَّانِيُّ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابَيهِ «مَدَارِجِ السَّالِكِينَ» وَ«إِغَاثَةِ اللَّهفَانِ مِن مَصَايِدِ الشَّيطَانِ» أَنَّ الشَّيطَانَ قَد نَصَبَ لِلعَبدِ عَلَى طَرِيقِ الوُصُولِ إِلَى اللهِ «سَبعَ عَقَبَاتٍ» مُتَدَرِّجَةٍ، لَا يَنزِلُ مَعَ العَبدِ إِلَى عَقَبَةٍ أَدنَى إِلَّا إِذَا عَجَزَ عَن إِيقَاعِهِ فِي الَّتِي فَوقَهَا: فَالعَقَبَةُ الأُولَى: «عَقَبَةُ الكُفرِ بِاللهِ وَالشِّركِ وَالإِلحَادِ وَالتَّشكِيكِ فِي ثَوَابِتِ الدِّينِ»! فَإِن ظَفِرَ الشَّيطَانُ بِالعَبدِ فِي هَذِهِ العَقَبَةِ الكُبرَى بَرَدَتْ نَارُ عَدَاوَتِهِ، وَاستَرَاحَ وَاتَّخَذَهُ جُندِيًّا مِن جُنُودِهِ! فَإِن نَجَا العَبدُ بِنُورِ التَّوحِيدِ وَاليَقِينِ، انتَقَلَ مَعَهُ إِبلِيسُ إِلَى العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ. وَالعَقَبَةُ الثَّانِيَةُ: «عَقَبَةُ البِدعَةِ فِي الدِّينِ وَمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ»! فَيُزَيِّنُ لَهُ أَن يَعتَقِدَ خِلَافَ مَا كَانَ عَلَيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابُهُ، أَو أَن يَتَعَبَّدَ للهِ بِبِدَعٍ مُحدَثَةٍ مَا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلطَانٍ؛ قَالَ الإِمَامُ سُفيَانُ الثَّورِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «البِدعَةُ أَحَبُّ إِلَى إِبلِيسَ مِنَ المَعصِيَةِ؛ لِأَنَّ المَعصِيَةَ يُتَابُ مِنهَا، وَالبِدعَةَ لَا يُتَابُ مِنهَا»؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَحسَبُ أَنَّهُ عَلَى هُدًى وَطَاعَةٍ! فَإِن قَطَعَ العَبدُ هَذِهِ العَقَبَةَ بِنُورِ السُّنَّةِ وَالاتِّبَاعِ، انتَقَلَ مَعَهُ إِلَى الثَّالِثَةِ. وَالعَقَبَةُ الثَّالِثَةُ: «عَقَبَةُ الكَبَائِرِ وَالفَوَاحِشِ المُوبِقَاتِ»! فَيَحرصُ عَلَى إِيقَاعِهِ فِي كَبِيرَةٍ مِنَ الكَبَائِرِ؛ مِن رِبًا أَو زِنًا أَو عُقُوقٍ أَو ظُلمٍ أَو تَركِ صَلَاةٍ، وَيَفتَحُ لَهُ بَابَ الإِرجَاءِ وَالتَّمنِّي عَلَى اللهِ قَائِلًا: «إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَالتَّوحِيدُ يَكفِيكَ»! فَإِن عَصَمَ اللهُ العَبدَ مِنَ الكَبَائِرِ، هَبَطَ مَعَهُ إِلَى الرَّابِعَةِ. وَالعَقَبَةُ الرَّابِعَةُ: «عَقَبَةُ الصَّغَائِرِ وَالمُحَقَّرَاتِ»! فَيَكِيلُ لَهُ مِنهَا بِالقُفَّانِ، وَيَقُولُ لَهُ: «مَا عَلَيكَ إِذَا اجتَنَبتَ الكَبَائِرَ مِن نَظرَةٍ أَو كَلِمَةٍ أَو غِيبَةٍ يَسِيرَةٍ؟!» وَلَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يَصرَّ عَلَى الصَّغِيرَةِ فَتَنقَلِبَ بِالإِصرَارِ كَبِيرَةً مُهلِكَةً! فَإِن نَجَا مِنهَا بِاليَقَظَةِ وَالِاستِغفَارِ الدَّائِمِ، انتَقَلَ مَعَهُ إِلَى الخَامِسَةِ. وَالعَقَبَةُ الخَامِسَةُ: «عَقَبَةُ المَبَاحَاتِ وَالتَّوَسُّعِ فِي الفُضُولِ»! فَيَشغَلُهُ بِفُضُولِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنَّومِ، وَالتَّجَوُّلِ السَّاعَاتِ الطِّوَالَ فِي الشَّاشَاتِ وَالمُبَاحَاتِ الَّتِي لَا ثَوَابَ فِيهَا، حَتَّى يَسرِقَ مِنهُ رَأسَ مَالِهِ وَهُوَ «العُمُرُ وَالوَقتُ»، فَيَخرُجَ مِنَ الدُّنيَا بِلَا زَادٍ وَلَا رِبحٍ! فَإِن نَجَا مِنهَا بِحِفظِ وَقتِهِ وَشُحِّهِ بِأَنفَاسِهِ، انتَقَلَ مَعَهُ إِلَى السَّادِسَةِ. وَالعَقَبَةُ السَّادِسَةُ -وَهِيَ مِن أَدَقِّ مَكَائِدِ إِبلِيسَ مَعَ الصَّالِحِينَ-: «عَقَبَةُ الأَعمَالِ المَفضُولَةِ عَنِ الأَعمَالِ الفَاضِلَةِ»! فَإِذَا رَأَى الشَّيطَانُ أَنَّ العَبدَ لَا بُدَّ أَن يَعمَلَ طَاعَةً، زَيَّنَ لَهُ طَاعَةً صَغِيرَةً مَفضُولَةً لِيَشغَلَهُ بِهَا عَن فَرِيضَةٍ عَظِيمَةٍ أَو وَاجِبٍ مُتَعَيِّنٍ؛ لِيُفَوِّتَ عَلَيهِ أَعظَمَ الأَجرَينِ وَأَرفَعَ المَنزِلَتَينِ! فَإِن فَقِهَ العَبدُ مَرَاتِبَ الأَعمَالِ وَأَعطَى كُلَّ وَقتٍ أَفضَلَ طَاعَتِهِ، لَم يَبقَ لِإِبلِيسَ إِلَّا العَقَبَةُ السَّابِعَةُ وَالأَخِيرَةُ: وَهِيَ: «عَقَبَةُ تَسلِيطِ جُندِهِ مِن شَيَاطِينِ الإِنسِ وَالجِنِّ عَلَى العَبدِ بِالأَذَى وَالسُّخرِيَةِ وَالاتِّهَامِ وَالتَّحذِيرِ مِنهُ»! وَهَذِهِ عَقَبَةٌ لَا حِيلَةَ لِلعَبدِ فِي دَفعِهَا؛ فَإِنَّهُ كُلَّمَا جَدَّ فِي الِاستِقَامَةِ وَالدَّعوَةِ إِلَى الحَقِّ، لَبِسَ لَهُ الشَّيطَانُ لَأْمَةَ الحَربِ وَجَيَّشَ عَلَيهِ أَوليَاءَهُ؛ فَمَا عَلَى المُؤمِنِ هُنَاكَ إِلَّا الصَّبرُ وَالثَّبَاتُ؛ لِتَكونَ هَذِهِ العَقَبَةُ مِعْرَاجًا يَرفَعُهُ إِلَى مَنَازِلِ الأَنبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء! أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَقَد أَخبَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَنَسٍ وَصَفِيَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ «الشَّيطَانَ يَجرِي مِنِ ابنِ آدَمَ مَجرَى الدَّمِ»! فَهُوَ يَرصُدُ نِقَاطَ الضَّعفِ فِي طَبِيعَتِكَ؛ فَإِن رَآكَ سَرِيعَ الغَضَبِ دَخَلَ عَلَيكَ مِن بَابِ الغَضَبِ حَتَّى تُطلِّقَ أَو تَظلِمَ أَو تَقطَعَ رَحِمَكَ! وَإِن رَآكَ مُحِبًّا لِلمَدحِ دَخَلَ عَلَيكَ مِن بَابِ الرِّيَاءِ وَالسُّمعَةِ! وَأَعظَمُ غَايَاتِهِ فِي المُجتَمَعِ تَفرِيقُ القُلُوبِ وَتَدمِيرُ البُيُوتِ؛ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ إِبلِيسَ يَضَعُ عَرشَهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ يَبعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدنَاهُم مِنهُ مَنزِلَةً أَعظَمُهُم فِتنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُم فَيَقُولُ: فَعَلتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعتَ شَيئًا! قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُم فَيَقُولُ: مَا تَرَكتُهُ حَتَّى فَرَّقتُ بَينَهُ وَبَينَ امرَأَتِهِ! قَالَ: فَيُدنِيهِ مِنهُ وَيَقُولُ: نِعمَ أَنتَ»! بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ الأَعلَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَهلِ العَزَائِمِ وَالتُّقَى، أَمَّا بَعد: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَاعلَمُوا أَنَّ الشَّيطَانَ مَعَ شِدَّةِ عَدَاوَتِهِ وَكَثرَةِ مَكَائِدِهِ، هُوَ فِي حَقِيقَةِ الأَمرِ «أَضعَفُ مَا يَكُونُ» أَمَامَ العَبدِ المُؤمِنِ المُعتَصِمِ بِاللهِ! أَلَيسَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُوَ القَائِلَ فِي سُورَةِ النِّسَاء: ﴿ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾؟! أَلَيسَ إِبلِيسُ نَفسُهُ قَدِ اعتَرَفَ بِعَجزِهِ التَّامِّ أَمَامَ أَهلِ الإِخلَاصِ وَالتَّوحِيدِ، وَصَدَّقَهُ اللهُ فِي سُورَةِ الحِجرِ فَقَال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، وَقَالَ فِي سُورَةِ النَّحل: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾؟! لَقَد مَثَّلَ السَّلَفُ الصَّالِحُ الشَّيطَانَ بِكَلْبٍ عَقُورٍ يَقفُ عَلَى بَابِ دَارِ المَلِكِ يَنبَحُ عَلَى الدَّاخِلِينَ؛ فَمَنِ اشتَغَلَ بِمُقَاتَلَتِهِ وَحدَهُ بِغَيرِ سِلَاحٍ نَالَ مِنهُ وَعَقَرَهُ، وَمَنِ استَغَاثَ بِصَاحِبِ الدَّارِ وَمَالِكِ الكَلبِ، زَجَرَهُ عَنهُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَوَلَّى هَارِبًا خَاسِئًا! وَإِذَا أَرَدتُم -يَا عِبَادَ اللهِ- الحُصُونَ الشَّرعِيَّةَ المَنِيعَةَ الَّتِي يَندَحِرُ أَمَامَهَا الشَّيطَانُ وَيَذُوبُ كَمَا يَذُوبُ المِلحُ فِي المَاءِ، فَعَلَيكُم بِخَمسَةِ أَسلِحَةٍ رَبَّانِيَّةٍ: السِّلَاحُ الأَوَّلُ: «إِخلَاصُ التَّوحِيدِ وَقُوَّةُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ»؛ فَكُلَّمَا قَوِيَ إِخلَاصُكَ ضَعُفَ شَيطَانُكَ، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ: «إِيهاً يَا ابنَ الخَطَّابِ! وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيرَ فَجِّكَ»! وَالسِّلَاحُ الثَّانِي: «الِاستِعَاذَةُ بِاللهِ وَالمُدَاوَمَةُ عَلَى ذِكرِ اللهِ فِي الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ وَعِندَ الطَّعَامِ وَالدُّخُولِ وَالخُرُوجِ وَالنَّومِ»؛ فَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَابنُ حِبَّانَ عَنِ الحَارِثِ الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَآمُرُكُم أَن تَذكُرُوا اللهَ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا، حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصنٍ حَصِينٍ فَأَحرَزَ نَفسَهُ مِنهُم؛ كَذَلِكَ العَبدُ لَا يُحرِزُ نَفسَهُ مِنَ الشَّيطَانِ إِلَّا بِذِكرِ اللهِ»! وَالسِّلَاحُ الثَّالِثُ: «عِمَارَةُ البُيُوتِ بِتِلَاوَةِ القُرآنِ وَلَا سِيَّمَا سُورَةُ البَقَرَةِ وَآيَةُ الكُرسِيِّ»؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَجعَلُوا بُيُوتَكُم مَقَابِرَ؛ إِنَّ الشَّيطَانَ يَنفِرُ مِنَ البَيتِ الَّذِي تُقرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ»! وَالسِّلَاحُ الرَّابِعُ وَالخَامِسُ: «كَثرَةُ السُّجُودِ، وَمُبَادَرَةُ الشَّيطَانِ بِالتَّوبَةِ كُلَّمَا أَوقَعَكَ فِي ذَنبٍ»؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قَرَأَ ابنُ آدَمَ السَّجدَةَ فَسَجَدَ، اعتَزَلَ الشَّيطَانُ يَبكِي، يَقُولُ: يَا وَيلَهُ! أُمِرَ ابنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الجَنَّةُ، وَأُمِرتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيتُ فَلِيَ النَّارُ»! فَتَحَصَّنُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- بِهَذِهِ الحُصُونِ الإِيمَانِيَّةِ، لِنَلتَقِيَ فِي الخُطبَةِ الثَّالِثَةِ مِن هَذِهِ السِّلسِلَةِ -بِإِذنِ اللهِ تَعَالَى- مَعَ القَاطِعِ الثَّالِثِ مِن قَوَاطِعِ الوُصُولِ إِلَى اللهِ وَهُوَ «قَاطِعُ الخَلقِ وَآفَاتُ المَخلُوقِينَ». ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي قَولِهِ الكَرِيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَنَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحضُرُونِ؛ اللَّهُمَّ اعصِمنَا مِن نَزَغَاتِ الشَّيطَانِ وَوَسوَسَتِهِ وَخُطُوَاتِهِ وَمَصَايِدِهِ، وَاجعَلنَا فِي حِرزِكَ الحَصِينِ وَكَنَفِكَ المَنِيعِ مَعَ عِبَادِكَ المُخلَصِينَ الَّذِينَ لَيسَ لِلشَّيطَانِ عَلَيهِم سُلطَانٌ. اللَّهُمَّ عَمِّرْ قُلُوبَنَا وَبُيُوتَنَا بِذِكرِكَ وَتِلَاوَةِ كِتَابِكَ وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَاقطَعْ عَنَّا كُلَّ قَاطِعٍ يَصُدُّنَا عَن صِرَاطِكَ المُستَقِيمِ يَا رَبَّ العَالَمِين. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.