من مكتبة مِداد الخطيب

سِلسِلَةُ القَوَاطِعِ الأَربَعَةِ عَنِ الوُصُولِ إِلَى اللهِ (الخُطبَةُ الرَّابِعَةُ وَالأَخِيرَةُ): قَاطِعُ الدُّنيَا الفَانِيَةِ وَفِتنَتِهَا وَسَبِيلُ جَعلِهَا مَزرَعَةً لِلآخِرَةِ

مشاركة
سِلسِلَةُ القَوَاطِعِ الأَربَعَةِ عَنِ الوُصُولِ إِلَى اللهِ (الخُطبَةُ الرَّابِعَةُ وَالأَخِيرَةُ): قَاطِعُ الدُّنيَا الفَانِيَةِ وَفِتنَتِهَا وَسَبِيلُ جَعلِهَا مَزرَعَةً لِلآخِرَةِ الحَمدُ للهِ الحَيِّ البَاقِي بَعدَ فَنَاءِ الخَلَائِقِ وَالأَزمَانِ، الوَارِثِ لِلأَرضِ وَمَن عَلَيهَا وَكُلُّ مَن عَلَيهَا فَانٍ، الَّذِي جَعَلَ الدَّارَ الدُّنيَا مَعبَرًا لِلِابتِلَاءِ وَالِامتِحَانِ، وَجَعَلَ الدَّارَ الآخِرَةَ هِيَ الحَيَوَانَ الحَقَّ وَمُستَقَرَّ الخُلُودِ وَالأَمَانِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَن أَبصَرَ حَقِيقَةَ الدُّنيَا فَلَم تَخدَعهُ بَرَّاقَةُ زِينَتِهَا، وَاتَّخَذَهَا مَطِيَّةً وَمَزرَعَةً لِآخِرَتِهِ فَنَجَا مِن سُمِّ فِتنَتِهَا، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، المَلِكُ الدَّيَّانُ، العَظِيمُ السُّلطَانِ، الَّذِي حَذَّرَ عِبَادَهُ مِنَ الاغتِرَارِ بِالمَتَاعِ القَلِيلِ الزَّائِلِ، وَدَعَاهُم إِلَى التَّشمِيرِ لِلنَّعِيمِ الكَثِيرِ الكَامِلِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، أَزهَدُ الخَلقِ فِي الدُّنيَا وَأَرغَبُهُم فِي الآخِرَةِ، عُرِضَتْ عَلَيهِ خَزَائِنُ الأَرضِ وَمَفَاتِيحُهَا فَأَبَى إِلَّا أَن يَلقَى رَبَّهُ مُخِفًّا مِن أَثقَالِهَا، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ السَّادَةِ الأَبرَارِ الَّذِينَ مَلَكُوا الدُّنيَا بِأَيدِيهِم وَلَم تَدخُلْ قُلُوبَهُم، وَعَلَى مَن سَارَ عَلَى نَهجِهِم إِلَى يَومِ الدِّينِ، أَمَّا بَعد: فَأُوصِيكُم -أَيُّهَا النَّاسُ- وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالإِعدَادِ لِيَومِ الرَّحِيلِ عَن هَذِهِ الدَّارِ الفَانِيَةِ، وَالحَذَرِ مِن أَن تَغُرَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنيَا بِزَخَارِفِهَا الزَّائِلَةِ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحكَمِ سُورَةِ فَاطِر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. أَيُّهَا المُسلِمُونَ: هَا نَحنُ نَصِلُ اليَومَ إِلَى المَحَطَّةِ الرَّابِعَةِ وَالخِتَامِيَّةِ مِن سِلسِلَتِنَا الإِيمَانِيَّةِ عَن «القَوَاطِعِ الأَربَعَةِ الَّتِي تَمنَعُ العَبدَ مِنَ الوُصُولِ إِلَى اللهِ: النَّفسِ، وَالشَّيطَانِ، وَالخَلقِ، وَالدُّنيَا»! فَبَعدَ أَن كَشَفنَا فِي الخُطبَةِ الأُولَى «قَاطِعَ النَّفسِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَالهَوَى»، وَفِي الخُطبَةِ الثَّانِيَةِ «قَاطِعَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ وَعَقَبَاتِهِ»، وَفِي الخُطبَةِ الثَّالِثَةِ «قَاطِعَ الخَلقِ وَالتَّعَلُّقَ بِالمَخلُوقِينَ»، نَقِفُ اليَومَ مَعَ القَاطِعِ الرَّابِعِ وَالأَخِيرِ؛ ذَلِكَ المَيدَانِ البَرَّاقِ السَّاحِرِ الَّذِي تَجتَمِعُ فِيهِ النَّفسُ وَالشَّيطَانُ وَالخَلقُ لِيَصُدُّوا العَبدَ عَن رَبِّهِ وَآخِرَتِهِ؛ أَلَا وَهُوَ: «قَاطِعُ الدُّنيَا الفَانِيَةِ وَفِتنَتِهَا الخَادِعَةِ»! عِبَادَ اللهِ: مَا هِيَ الدُّنيَا فِي مِيزَانِ خَالِقِهَا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؟ وَلِمَاذَا سُمِّيَتِ الدُّنيَا «دُنيَا»؟ قَالَ عُلَمَاءُ اللُّغَةِ وَالتَّفسِيرِ: سُمِّيَتِ الدُّنيَا دُنيَا لِأَمرَينِ اثنَينِ: لِدُنُوِّهَا وَقُربِ زَوَالِهَا، وَلِدَنَاءَتِهَا وَحَقَارَتِهَا أَمَامَ عَظَمَةِ الدَّارِ الآخِرَةِ! تَأَمَّلُوا كَيفَ كَشَفَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَقِيقَةَ هَذِهِ الدُّنيَا فِي القُرآنِ الكَرِيمِ بِأَمثَالٍ تَخلَعُ عَنهَا أَقنِعَةَ الزَّيفِ وَالغُرُورِ؛ فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الحَدِيد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾، ثُمَّ خَتَمَ الآيَةَ بِالحَقِيقَةِ القَاطِعَة: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾! مَا أَدَقَّ هَذَا التَّمثِيلَ الإِلَهِيَّ! مَطَرٌ يَنزِلُ فَتَخضَرُّ الأَرضُ وَتَتَزَيَّنُ حَتَّى تُعجِبَ الزُّرَّاعَ النَّاظِرِينَ، وَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ مَعدُودَةٌ حَتَّى يَيبَسَ ذَلِكَ النَّبَاتُ النَّاضِرُ فَيَصفرَّ، ثُمَّ يَصِيرَ حُطَامًا هَشِيمًا تَذرُوهُ الرِّيَاحُ كَأَن لَم يَغنَ بِالأَمسِ! تِلكَ هِيَ قِصَّةُ الدُّنيَا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا: شَبَابٌ نَاضِرٌ يَعقُبُهُ مَشِيبٌ وَهَرَمٌ، وَصِحَّةٌ يَعقُبُهَا سَقَمٌ، وَاجتِمَاعٌ يَعقُبُهُ فِرَاقٌ، وَقُصُورٌ عَامِرَةٌ تَنتَهِي بِأَهلِهَا إِلَى ظُلُمَاتِ القُبُور! وَلَو نَظَرنَا إِلَى قَدرِ الدُّنيَا وَقِيمَتِهَا فِي مِيزَانِ النُّبُوَّةِ لَرَأَينَا عَجَبًا! فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسلِمٍ عَنِ المُستَورِدِ بنِ شَدَّادٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَاللهِ مَا الدُّنيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مِثلُ مَا يَجعَلُ أَحَدُكُم إِصبَعَهُ هَذِهِ -وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ- فِي اليَمِّ، فَليَنظُرْ بِمَ تَرجِعُ»! بِاللهِ عَلَيكُم يَا أُولِي العُقُولِ: إِذَا غَمَسَ أَحَدُكُم إِصبَعَهُ فِي البَحرِ المحِيطِ الزَّاخِرِ ثُمَّ أَخرَجَهَا، فَمَا نِسبَةُ تِلكَ القَطرَةِ العَالِقَةِ بِالإِصبَعِ إِلَى مِيَاهِ البِحَارِ وَالمُحِيطَاتِ كُلِّهَا؟! تِلكَ القَطرَةُ الزَّائِلَةُ هِيَ الدُّنيَا مِن أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، وَذَلِكَ البَحرُ الَّذِي لَا سَاحِلَ لَهُ هُوَ الدَّارُ الآخِرَةُ! فَأَيُّ سَفَهٍ وَأَيُّ غَبَنٍ أَعظَمُ مِن أَن يَبِيعَ العَاقِلُ البَحرَ الأَبَدِيَّ الخَالِدَ بِنُقطَةِ مَاءٍ تَجِفُّ فِي طَرفَةِ عَينٍ؟! وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَيضًا عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِالسُّوقِ وَالنَّاسُ كَنَفَتَيهِ، فَمَرَّ بِجَديٍ أَسَكَّ -أَي صَغِيرِ الأُذُنَينِ- مَيِّتٍ، فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ: «أَيُّكُم يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرهَمٍ؟» فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيءٍ، وَمَا نَصنَعُ بِهِ؟! قَالَ: «أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُم؟» قَالُوا: وَاللهِ لَو كَانَ حَيًّا كَانَ عَيبًا فِيهِ أَنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيفَ وَهُوَ مَيِّتٌ؟! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَوَاللهِ لَلدُّنيَا أَهوَنُ عَلَى اللهِ مِن هَذَا عَلَيكُم»! وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَو كَانَتِ الدُّنيَا تَعدِلُ عِندَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سَقَى كَافِرًا مِنهَا شَربَةَ مَاءٍ»! أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: كَيفَ تَقطَعُ هَذِهِ الدُّنيَا الحَقِيرَةُ الطَّرِيقَ عَلَى العَبدِ فَتَمنَعُهُ مِنَ الوُصُولِ إِلَى اللهِ؟ لَقَد بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّ فِتنَةَ الدُّنيَا هِيَ أَخطَرُ فِتنَةٍ تَعتَرِضُ هَذِهِ الأُمَّةَ فِي سَيرِهَا إِلَى رَبِّهَا؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَمرِو بنِ عَوفٍ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصحَابِهِ: «فَأَبشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُم؛ فَوَاللهِ مَا الفَقرَ أَخشَى عَلَيكُم، وَلَكِنِّي أَخشَى عَلَيكُم أَن تُبسَطَ عَلَيكُمُ الدُّنيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَن كَانَ قَبلَكُم، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهلِكَكُم كَمَا أَهلَكَتهُم»! إِنَّ الدُّنيَا تَقطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى السَّائِرِينَ إِلَى اللهِ بِأَربَعَةِ سِهَامٍ مَسمُومَةٍ: السَّهمُ الأَوَّلُ: «الإِلهَاءُ بِالتَّكَاثُرِ وَجَمعِ الحُطَامِ عَن ذِكرِ اللهِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَعِمَارَةِ الآخِرَةِ»! يَدخُلُ الإِنسَانُ فِي سِبَاقٍ مَحمُومٍ لَا يَنتَهِي: يَجمَعُ المَالَ لِيَبنِيَ الدَّارَ، ثُمَّ يَلهَثُ لِيُؤَثِّثَهَا، ثُمَّ يَلهَثُ لِيُزَوِّجَ الأَولَادَ، ثُمَّ يَلهَثُ لِيُضَاعِفَ التِّجَارَةَ، وَالعُمُرُ يَتَسَرَّبُ مِن بَينِ أَصَابِعِهِ وَهُوَ غَافِلٌ عَن رَبِّهِ، حَتَّى يَفجَأَهُ مَلَكُ المَوتِ فَيَنقُلَهُ مِن قَصرِهِ إِلَى قَبرِهِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ التَّكَاثُر: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ۝ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾! وَالسَّهمُ الثَّانِي: «استِعبَادُ القُلُوبِ لِلدِّينَارِ وَالدِّرهَمِ وَالمَنصِبِ وَالجَاهِ»! حِينَ تَتحَوَّلُ الدُّنيَا مِن وَسِيلَةٍ فِي اليَدِ إِلَى مَعبُودٍ يَترَبَّعُ عَلَى عَرشِ القَلبِ؛ فَيَرضَى العَبدُ إِذَا أُعطِيَ مِنهَا، وَيَسخَطُ إِذَا مُنِعَ مِنهَا، وَيُوَالِي وَيُعَادِي لِأَجلِهَا؛ فَيَصِيرُ عَبدًا رَقِيقًا لِلدُّنيَا وَإِن زَعَمَ أَنَّهُ حُرٌّ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «تَعِسَ عَبدُ الدِّينَارِ، وَعَبدُ الدِّرهَمِ، وَعَبدُ الخَمِيصَةِ، إِن أُعطِيَ رَضِيَ، وَإِن لَم يُعطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انتَقَشَ»! وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن كَعبِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَا ذِئبَانِ جَائِعَانِ أُرسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفسَدَ لَهَا مِن حِرصِ المَرءِ عَلَى المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ»! تَأَمَّلُوا هَذَا التَّشبِيهَ النَّبَوِيَّ المُرعِبَ: ذِئبَانِ ضَارِيَانِ جَائِعَانِ هَجَمَا عَلَى قَطِيعِ غَنَمٍ لَا رَاعِيَ لَهُ، فَمَاذَا يُبقِيَانِ مِنهُ؟! كَذَلِكَ يَفعَلُ ذِئبُ «حُبِّ المَالِ» وَذِئبُ «حُبِّ الشَّرَفِ وَالمَنصِبِ وَالرِّيَاسَةِ» إِذَا أُرسِلَا فِي قَلبِ العَبدِ؛ فَإِنَّهُمَا يَمزِّقَانِ دِينَهُ وَإِيمَانَهُ تَمزِيقًا! وَالسَّهمُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ: «طُولُ الأَمَلِ، وَبَيعُ الدِّينِ وَالأَمَانَةِ وَالحُقُوقِ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيَا قَلِيلٍ»! فَحِينَ يَعشَقُ القَلبُ الدُّنيَا يَستَحِلُّ صَاحِبُهُ الحَرَامَ؛ فَيَأكُلُ الرِّبَا، وَيَأخُذُ الرِّشوَةَ، وَيَظلِمُ إِخوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ فِي المِيرَاثِ، وَيَحلِفُ اليَمِينَ الغَمُوسَ الكَاذِبَةَ لِيَقتَطِعَ شِبرًا مِن أَرضٍ أَو مَالِ مُسلِمٍ، وَيَنسَى قَولَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: «بَادِرُوا بِالأَعمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِمِ، يُصبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا وَيُمسِي كَافِرًا، أَو يُمسِي مُؤمِنًا وَيُصبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيَا»! وَقَالَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي «مَدَارِجِ السَّالِكِينَ» كَلِمَةً بَدِيعَةً: «لَا تَدخُلُ مَحَبَّةُ اللهِ فِي قَلبٍ فِيهِ حُبُّ الدُّنيَا إِلَّا كَمَا يَدخُلُ الجَمَلُ فِي سَمِّ الإِبرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا ضَرَّتَانِ، مَتَى أَرضَيتَ إِحدَاهُمَا أَسخَطتَ الأُخرَى»! بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الآخِرَةِ وَالأُولَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَهلِ الزُّهدِ وَالتُّقَى، أَمَّا بَعد: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَاعلَمُوا أَنَّ ذَمَّ الدُّنيَا فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ لَا يَعنِي تَحرِيمَ الطَّيِّبَاتِ، وَلَا القُعُودَ عَنِ الكَسبِ وَالعَمَلِ وَالإِنتَاجِ، وَلَا تَركَ الدُّنيَا لِلفُجَّارِ وَالكُفَّارِ يَملِكُونَ أَزِمَّتَهَا! كَلَّا وَاللهِ! بَلِ المَذمُومُ مِنَ الدُّنيَا هُوَ مَا قَطَعَكَ عَنِ اللهِ وَأَلهَاكَ عَنِ الآخِرَةِ! أَمَّا مَن أَخَذَ الدُّنيَا مِن حَلَالٍ، وَجَعَلَهَا «فِي يَدِهِ لَا فِي قَلبِهِ»، وَسَخَّرَهَا فِي طَاعَةِ رَبِّهِ وَإِعزَازِ دِينِهِ وَنَفعِ عِبَادِهِ، فَتِلكَ نِعمَ المَطِيَّةُ إِلَى الجَنَّةِ! أَلَم يَقُلِ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ القَصَصِ وَاضِعًا هَذَا التَّوَازُنَ المُعجِز: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾؟! أَلَم يَقُلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِعَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي المُسنَدِ وَالأَدَبِ المُفرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «نِعمَ المَالُ الصَّالِحُ لِلمَرءِ الصَّالِحِ»؟! سُئِلَ الإِمَامُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ: أَيَكُونُ الرَّجُلُ زَاهِدًا وَمَعَهُ أَلفُ دِينَارٍ؟ قَالَ: «نَعَم، عَلَى شَرِيطَةِ أَلَّا يَفرَحَ إِذَا زَادَتْ، وَلَا يَحزَنَ إِذَا نَقَصَتْ»! فَحَقِيقَةُ الزُّهدِ الإِسلَامِيِّ الرَّبَّانِيِّ كَمَا حَرَّرَهَا شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ وَابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُمَا اللهُ هِيَ: «فَرَاغُ القَلبِ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالدُّنيَا، لَا فَرَاغُ اليَدِ مِنهَا»؛ فَتَكُونُ الدُّنيَا فِي يَدِ المُؤمِنِ كَالسَّفِينَةِ تَسِيرُ فَوقَ مَاءِ البَحرِ؛ مَا دَامَ المَاءُ تَحتَ السَّفِينَةِ فَهِيَ تَسِيرُ بِأَمَانٍ إِلَى الشَّاطِئِ، فَإِذَا دَخَلَ المَاءُ إِلَى قَلبِ السَّفِينَةِ وَجَوفِهَا أَغرَقَهَا وَأَهلَكَ رُكَّابَهَا! وَخُذُوا هَذِهِ الوَصِيَّةَ النَّبَوِيَّةَ الجَامِعَةَ الَّتِي أَخَذَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِمَنكِبَي عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَو عَابِرُ سَبِيلٍ»! وَكَانَ ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا يَقُولُ: «إِذَا أَمسَيتَ فَلَا تَنتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصبَحتَ فَلَا تَنتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِن صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِن حَيَاتِكَ لِمَوتِكَ»! وَقَالَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «ارتَحَلَتِ الدُّنيَا مُدبِرَةً، وَارتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنهُمَا بَنُونَ؛ فَكُونُوا مِن أَبنَاءِ الآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِن أَبنَاءِ الدُّنيَا؛ فَإِنَّ اليَومَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلٌ»! فَيَا أَيُّهَا المُسلِمُونَ: هَا قَدِ اكتَمَلَتْ بَينَ أَيدِيكُم في هَذِهِ الخُطَبِ الأَربَعِ خَارِطَةُ النَّجَاةِ مِن «القَوَاطِعِ الأَربَعَةِ عَنِ الوُصُولِ إِلَى اللهِ»: فَاقطَعُوا قَاطِعَ «النَّفسِ» بِالمُجَاهَدَةِ وَالمُحَاسَبَةِ وَمُخَالَفَةِ الهَوَى! وَاقطَعُوا قَاطِعَ «الشَّيطَانِ» بِالإِخلَاصِ وَالِاستِعَاذَةِ وَدَوَامِ الذِّكرِ وَاتِّبَاعِ السُّنَّةِ! وَاقطَعُوا قَاطِعَ «الخَلقِ» بِتَوحِيدِ الخَوفِ وَالرَّجَاءِ فِي اللهِ، وَإِيثَارِ رِضَا الخَالِقِ عَلَى رِضَا المَخلُوقِينَ! وَاقطَعُوا قَاطِعَ «الدُّنيَا» بِقِصَرِ الأَمَلِ، وَجَعلِ الدُّنيَا فِي أَيدِيكُم مَزرَعَةً لِآخِرَتِكُم لَا وَطَنًا فِي قُلُوبِكُم! وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ وَصَفَ زَادَ المُسَافِرِ مِنَ الدُّنيَا إِلَى اللهِ فَقَال: إِنَّ للهِ عِبَادًا فُطَنَا ... طَلَّقُوا الدُّنيَا وَخَافُوا الفِتَنَا نَظَرُوا فِيهَا فَلَمَّا عَلِمُوا ... أَنَّهَا لَيسَتْ لِحَيٍّ وَطَنَا جَعَلُوهَا لُجَّةً وَاتَّخَذُوا ... صَالِحَ الأَعمَالِ فِيهَا سُفُنَا ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا -رحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى إِمَامِ السَّالِكِينَ وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ؛ كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ فِي قَولِهِ الكَرِيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين. اللَّهُمَّ لَا تَجعَلِ الدُّنيَا أَكبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبلَغَ عِلمِنَا، وَلَا إِلَى النَّارِ مَصِيرَنَا، وَاجعَلِ الجَنَّةَ هِيَ دَارَنَا وَقَرَارَنَا، وَاجعَلِ الدُّنيَا فِي أَيدِينَا وَلَا تَجعَلهَا فِي قُلُوبِنَا يَا رَبَّ العَالَمِين. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى مُجَاهَدَةِ أَنفُسِنَا، وَاعصِمنَا مِن نَزَغَاتِ شَيطَانِنَا، وَأَغنِنَا بِفَضلِكَ عَن خَلقِكَ، وَقِنَا فِتنَةَ الدُّنيَا وَعَذَابَ الآخِرَةِ، وَأَوصِلنَا إِلَيكَ سَالِمِينَ غَانِمِينَ غَيرَ خَزَايَا وَلَا مَفتُونِين. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.