من مكتبة مِداد الخطيب

سُورَةُ الإِخْلَاصِ... ثُلُثُ القُرْآنِ ومَلَاذُ القُلُوب

مشاركة
🕌 سُورَةُ الإِخْلَاصِ... ثُلُثُ القُرْآنِ ومَلَاذُ القُلُوب #خطبة_جمعة #سورة_الإخلاص #التوحيد #العقيدة #إيمانيات الحمدُ للهِ الأَحَدِ الصَّمَد، الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ ولم يَكُنْ لهُ كُفُوًا أَحَد، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَلَّ عن الشَّبيهِ والمَثيلِ والنَّظير، تَعنُو لهُ الوُجوه، وتَخضَعُ لهُ الرِّقاب، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُوَحِّدين، وسَيِّدُ المُخلِصين، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ، وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بعدُ: أيُّها الإخوةُ الكِرام، سَأبدَأُ معكم بسُؤالٍ يُراوِدُ كُلَّ مُتَأمِّل: أربعةُ آياتٍ قِصار، نَحفَظُها جميعًا منذُ نُعومَةِ أظفارِنا، ونُقَرِّرُ قِراءَتَها في كُلِّ صَلاةٍ تقريبًا، ومع ذلك، وَزَنَها نبيُّنا ﷺ بِثُلُثِ القُرآنِ كُلِّه! ما السِّرُّ في هذهِ السُّورَة؟ ولماذا بَشَّرَ النَّبيُّ ﷺ رَجُلًا يُحِبُّها بأنَّ اللهَ يُحِبُّهُ لأجلِها؟ جَوابٌ لو وَقَرَ في القَلب، لَتَغَيَّرَت حَياتُنا، ولَزالَت هُمومُنا... وهذا ما سَنَعرِفُهُ اليَوم. يا عِبادَ الله، نَعيشُ في زَمَنٍ كَثُرَت فيهِ المَخاوِف، وتَشَعَّبَت فيهِ الهُموم. يَخرُجُ أحَدُنا من بَيتِهِ قَلِقًا على رِزقِه، خائفًا من مُستَقبَلِه، مُتَعَلِّقًا بالبَشَرِ، يَظُنُّ أنَّ فُلانًا يَملِكُ نَفعَه، وأنَّ عِلَّانًا يَملِكُ ضَرَّه. وفي زَحمَةِ هذا الشَّتات، يَأتِينا القُرآنُ العَظيمُ بِدَواءٍ واحِد، وعِلاجٍ حاسِم، وسُورَةٍ لو شَرِبَ القَلبُ مَعانيها، لَنامَ قَريرَ العَين، مُطمَئِنَّ النَّفس. إنَّها سُورَةُ الإِخلاص. واسمَعوا لِهذا المَشهَدِ العَجيب، الذي رَواهُ البُخاريُّ في صَحيحِه، عن عائشَةَ رَضيَ اللهُ عنها، أنَّ النَّبيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا على سَرِيَّة، وكانَ يَقرَأُ لأصحابِهِ في صَلاتِهِم فَيَختِمُ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. فَلَمَّا رَجَعوا ذَكَروا ذلكَ للنَّبيِّ ﷺ، فَقال: «سَلُوهُ لأيِّ شيءٍ يَصنَعُ ذلك؟» فَسَألوه، فَقال: "لأنَّها صِفَةُ الرَّحمَن، وأنا أُحِبُّ أن أقرَأَ بِها". فَقالَ النَّبيُّ ﷺ: «أَخبِروهُ أنَّ اللهَ يُحِبُّه». تَأمَّلوا! لم يَقُمِ اللَّيلَ كُلَّه، لم يَتَصَدَّق بِقِنطارٍ من ذَهَب... أحَبَّ صِفَةَ الرَّحمَن، فَأحَبَّهُ الرَّحمَن! فَهَل نَحنُ نُحِبُّها حَقًّا كَما أحَبَّها هذا الصَّحابيُّ الجَليل؟ يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]. لِمَاذا قالَ "أَحَد" ولم يَقُل "واحِد"؟ قالَ العُلَماء: الأَحَدُ هو المُنْفَرِدُ الذي لا نَظيرَ له، ولا شَريكَ له، ولا نِدَّ له في ذاتِهِ ولا في صِفاتِهِ ولا في أفعالِه. نَحنُ اليومَ — يا عِبادَ الله — لا نَعبُدُ أصنامًا من حَجَر، ولا نَسجُدُ لِلَّاتِ والعُزَّى، لكِنَّنا في الحَقيقَةِ نَعبُدُ آلهَةً أُخرى دُونَ أن نَشعُر! ألَم تَسمَعوا قَولَهُ تَعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: 43]؟ كُلُّ مَن قَدَّمَ رِضا النَّاسِ على رِضا الله، فقد أشرَكَ النَّاسَ في قَلبِه. وكُلُّ مَن عَصى اللهَ لِيُرضِيَ مُديرَهُ في العَمَل، فَقَد خَدَشَ هذا الأَحَدِيَّة. الأَحَد... تَعني أنَّهُ وَحدَهُ المَقصود، وَحدَهُ المَرهوب، وَحدَهُ المَرغوب. ولِذلكَ كانَ بِلالُ بنُ رَباحٍ رَضيَ اللهُ عنهُ، والصَّخرَةُ المُلتهِبَةُ تَكوي صَدرَهُ في صَحراءِ مَكَّة، لا يَزيدُ على كَلِمَتَين: "أَحَدٌ أَحَد". لأنَّهُ عَلِمَ أنَّ قُوَّةَ هذا الأَحَدِ أوسَعُ من قَسْوَةِ السَّيَّاط! ثمَّ تأتي الكَلِمَةُ التي تَمْسَحُ كُلَّ قَلَقٍ في الأرض: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 2]. هل سَألتَ نَفسَكَ يَومًا: ما مَعنى الصَّمَد؟ قالَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما — وتَأمَّلوا كَلِماتِهِ حَرفًا حَرفًا —: "الصَّمَد: هو السَّيِّدُ الذي قد كَمُلَ في سُؤدُدِه، والشَّريفُ الذي قد كَمُلَ في شَرَفِه، والعَظيمُ الذي قد كَمُلَ في عَظَمَتِه، والحَليمُ الذي قد كَمُلَ في حِلمِه، والعَليمُ الذي قد كَمُلَ في عِلمِه، والحَكيمُ الذي قد كَمُلَ في حِكمَتِه... وهو اللهُ سُبحانَه، هذه صِفَتُهُ لا تَنبَغي إلَّا له". وقالَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "الصَّمَد: هو الذي تَصمُدُ إليهِ الخَلائِقُ في حَوائِجِها". أي تَقصِدُهُ وتَلجَأُ إليه. يا مَن أرهَقَتهُ الدُّنيا، ويا مَن أغْلَقَ البَشَرُ أبوابَهُم في وَجهِه! لماذا تَقفُ بِبابِ فُلانٍ وتَرجو إحسانَ عِلَّان، وتَنسى أنَّ لَكَ رَبًّا "صَمَدًا"؟ الصَّمَدُ هو الذي لا يَأكُلُ ولا يَشرَب، ولا يَنامُ ولا يَغفُل، كُلُّ شَيءٍ مُفتَقِرٌ إليه، وهو غَنيٌّ عن كُلِّ شَيء. قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "الصَّمَدُ هو الذي كَمُلَ في صِفاتِه وأفعالِه، فَصَمَدَت إليهِ القُلوبُ في رَغَباتِها ورَهَباتِها".
واللهِ يا إخوَتي، لو عَلِمَ المُبتَلى مَعنى ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ لَمَا شَكا هَمَّهُ لِمَخلوق! كيفَ تَشكو لِمَن يَموت، وتَترُكُ الحَيَّ الصَّمَد؟ انظُروا إلى حالِنا اليَوم: الواحِدُ مِنَّا يَستَيقِظُ فَأوَّلُ ما يَطلُبُهُ هاتِفُهُ، يَتَصَفَّحُ أخبارَ النَّاس، ويَتَعَلَّقُ بِأوهامِ الدُّنيا، ثُمَّ إذا حَلَّت بهِ مُصيبَةٌ، التَفَتَ يَمنَةً ويَسرَةً يَبْحَثُ عن بَشَرٍ يُنقِذُه. نَسِينا ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ في زَحمَةِ الأسباب! ثُمَّ يَقُولُ جَلَّ جَلالُه: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 3]. كَلِماتٌ تَنسِفُ كُلَّ باطِلٍ في الأرض. يَدَّعي طَوائفُ منَ البَشَرِ أنَّ للهِ وَلَدًا! تَعالى اللهُ عَمَّا يَقولونَ عُلوًّا كَبيرًا. يقولُ سُبحانَهُ في آيَةٍ تَهتَزُّ لها الجِبال: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ۝ أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا ۝ وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: 90-92]. الكَونُ كُلُّهُ يَغضَبُ ويَكادُ يَتَمَزَّقُ غَيرَةً على تَنزيهِ رَبِّه، وبَعضُ البَشَرِ يَتَجَرَّأُ على نِسبَةِ النَّقصِ للخالِق! إنَّما يَحتاجُ للوَلَدِ المَخلوقُ الضَّعيف، ليَحمِلَ اسمَه، وليُعينَهُ في كِبَرِه. أمَّا اللهُ الأَحَدُ الصَّمَد، فَهُوَ الغَنيُّ الحَميد. ثُمَّ تَأتِي الخاتِمَةُ المُحكَمَة: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]. لا كُفؤَ له، لا نَظيرَ له، لا شَبيهَ له في قُوَّتِه، ولا في رَحمَتِه، ولا في حِكمَتِه. وهنا أطرَحُ سُؤالًا: هل سَألتُم أنفُسَكُم يَومًا: لِماذا نَحنُ نَقَعُ في الرِّياء؟ لماذا نُصَوِّرُ طاعاتِنا لنَنشُرَها على وَسائلِ التَّواصُل؟ لماذا نَتَصَدَّقُ ونَنتَظِرُ مَدحَ النَّاس؟ الجَوابُ الصَّادِم: لأنَّنا لَم نَفقَه ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾! لو عَلِمتَ أنَّهُ لا أحَدَ يُكافِئُ اللهَ في الثَّواب، ولا أحَدَ يُمكِنُهُ أن يَنفَعَكَ مِثلَ الله، لَمَا ابتَغَيتَ بِعَمَلِكَ غَيرَ وَجهِ الله. الرِّياءُ شِركٌ خَفِيّ، لأنَّ المُرايِيَ جَعَلَ النَّاسَ — بِشَكلٍ ما — أكفاءً للهِ يَطلُبُ رِضاهُم مَعَه! ويَقولُ الرَّبُّ تبارَكَ وتَعالى في الحَديثِ القُدسيِّ العَظيم: «أنا أغلَى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّركِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشرَكَ فيهِ مَعي غَيري، تَرَكتُهُ وشِركَه» [رواهُ مُسلم]. يا عِبادَ الله، هل عَرَفتُم الآنَ لِماذا كانَت هذه السُّورَةُ القَصيرَةُ تَعدِلُ ثُلُثَ القُرآن؟ قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله: "إنَّ القُرآنَ ثَلاثَةُ أثلاث: ثُلُثٌ أحكام، وثُلُثٌ قَصَصٌ وأخبار، وثُلُثٌ تَوحيدٌ وصِفات. وسُورَةُ الإخلاصِ أخْلَصَتِ التَّوحيدَ والصِّفاتِ كُلَّها، فَكانَت تَعدِلُ ثُلُثَ القُرآن". وفي صَحيحِ مُسلم، قالَ النَّبيُّ ﷺ لأصحابِه: «أَيَعجِزُ أحَدُكُم أن يَقرَأَ في لَيلَةٍ ثُلُثَ القُرآن؟» قالوا: وكيفَ يَقرَأُ ثُلُثَ القُرآن؟ قال: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعدِلُ ثُلُثَ القُرآن». ألا يُشبِهُ هذا حالَ كَثيرٍ مِنَّا؟ نَبحَثُ عنِ الأُجورِ العَظيمَة، وتَتَثاقَلُ هِمَمُنا، وبَينَ أيدينا كَنزٌ نَقرَؤُهُ في ثَلاثينَ ثانِيَة، يُعطِينا أجرَ ثُلُثِ القُرآن! لكن، يا كِرام، ليسَتِ العِبرَةُ بلَقلَقَةِ اللِّسان، بَل بوُقوفِ المَعنى في الجَنان. مَن قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَهوَ يَعصي اللهَ لأجلِ رِضا النَّاس، فقد كَذَّبَ بِفِعلِهِ ما قَرَأَهُ بِلِسانِه. ومَن قَرَأَ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ وَهوَ يَلتَوي ذُلًّا أمامَ مَخلوقٍ لِيَرزُقَه، فَقَد شَكَّكَ في صَمَدِيَّةِ اللهِ دُونَ أن يَدري. يا مَنِ استَوحَشَ من غُربَةِ الدِّين! يا مَن رَأى تَسَلُّطَ الأعداء، وتَكَلُّبَ الأمَمِ على المُسلِمين! تَذَكَّر: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. لا قُوَّةَ في الأرضِ تُكافِئُ قُوَّةَ الله. ولا مَكرَ في الدُّنيا يَعدِلُ مَكرَ الله. ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 50]. فالزَموا هذهِ السُّورَة، لا مُجَرَّدَ تِلاوَة، بَل تَدَبُّرًا ويَقينًا واعتِصامًا. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، أحمَدُهُ سُبحانَهُ أن هَدانا لِلإسلام، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
عِبادَ الله، عَرَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَكانَةَ سُورَةِ الإخلاص، وكَيفَ أنَّها عَقيدَةٌ مُتَكامِلَةٌ في أربَعِ آيات، وقَفنا مَعَ مَعنى الأَحَدِيَّة، وتَدَبَّرنا عِظَمَ اسْمِ اللهِ الصَّمَد الذي تَلجَأُ إليهِ الخَلائق. والآن، وبَعدَ هذا البَيان، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ العَمَليِّ الأَهَمّ: كَيفَ نُحَوِّلُ هذه السُّورَةَ من كَلِماتٍ نَقرَؤُها في الصَّلاة، إلى مَنهَجِ حَياةٍ نَعيشُهُ؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): أخلِصُوا نيَّاتِكُم للهِ وَحدَه. لا تَجعَلُوا لِلخَلقِ نَصيبًا في طاعاتِكُم، ولا حَتَّى نَظَرًا ولا إعجابًا. مَن قَصَدَ النَّاسَ ذَلّ، ومَن قَصَدَ ﴿الأَحَدَ الصَّمَد﴾ عَزَّ وارتَفَع. طَهِّرْ قَلبَكَ اليَومَ من كُلِّ رِياءٍ أو طَمَعٍ في مَخلوق. الثانية (لِسانيَّة): اجعَلوا سُورَةَ الإخلاصِ وِردًا لا يَنقَطِعُ عن ألسِنَتِكُم، خاصَّةً قَبلَ نَومِكُم. قالَ النَّبيُّ ﷺ لِأصحابِه، ومِنهم مَن غَفَلَ عن هذا: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ... والمُعَوِّذَتَينِ حِينَ تُمسي وحينَ تُصبِحُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، تَكفيكَ مِن كُلِّ شَيء» [رواهُ أبو داود والتِّرمذي]. تَكفيكَ من الهَمّ، مِنَ الحَسَد، مِنَ العَين، مِن شَياطينِ الإنسِ والجِنّ. الثالثة (عَمَليَّة): واظِبوا عَلى قِراءَتِها في صَلَواتِكُم والسُّنَنِ الرَّواتِب. لا تَمرُّ عليكَ لَيلَةٌ إلَّا وقد خَتَمتَ يَومَكَ بِصَلاةِ وِترٍ تَقرَأُ فيها: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، لتُعلِنَ للهِ في جَوفِ اللَّيلِ أنَّكَ لا تَدينُ بِالوَلَاءِ إلَّا له. الرابعة (اجتماعيَّة): عَلِّموا أبناءَكُم مَعانِيَ هذهِ السُّورَة. لا تَكتَفوا بِتَحفيظِهِم حُروفَها، بَلِ اجلِسِ اليَومَ مَعَ طِفلِك، وقُل له: يا بُنَيّ، مَعنى الصَّمَدِ أنَّ اللهَ لا يَحتاجُ أحَدًا، ونَحنُ كُلُّنا نَحتاجُه. ازرَعوا عَقيدَةَ التَّوحيدِ في صُدورِ الأجيال، لِتَكونَ دِرعًا لَهُم أمامَ فِتَنِ الإلحادِ والشُّبُهاتِ التي تَغزو عُقولَهُم! الخامسة (موضوعيَّة): إذا ألَمَّ بِكَ خَطبٌ، أو ضاقَت بِكَ حيلَة، فَافزَعْ إلى "الصَّمَد". لا تَرفَع سَمَّاعَةَ الهاتِفِ قَبلَ أن تَرفَعَ يَدَيكَ إلى السَّماء. استَحضِر في تِلكَ اللَّحظَة أنَّهُ لا أحَدَ كُفُؤٌ لِتَفريجِ هَمِّكَ سِواهُ سُبحانَه. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ تَدعوكُم إلى إخلاصِ الدِّينِ له، والإفْرادِ بالأسماءِ والصِّفاتِ لمَن لا نِدَّ لهُ ولا مَثيل. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَليه، عَمَلًا بِقولِ الأَحَدِ الصَّمَد: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، ومَن تَبِعَهُ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. اللَّهُمَّ يا أَحَدُ يا صَمَد، يا مَن لم يَلِد ولم يُولَد، ولم يَكُن لهُ كُفُوًا أحَد، نَسألُكَ بِاسْمِكَ الأعظَم، وصِفاتِكَ العُلى، أن تَرزُقَنا إخلاصًا يُطَهِّرُ قُلوبَنا، ويَقينًا يَحفَظُ إيمانَنا. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يَفرِدونَكَ بالقَصد، ويَلتَجِئونَ إليكَ في الشِّدَّة، ويَتَوَكَّلونَ عَليكَ في كُلِّ حال. اللَّهُمَّ طَهِّر أعمالَنا من الرِّياء، وقُلوبَنا من النِّفاق، وألسِنَتَنا مِن الكَذِب. اللَّهُمَّ لا تَكِلنا إلى أنفُسِنا، ولا إلى أحَدٍ من خَلقِكَ طَرفَةَ عَين، وكُن لَنا وَلِيًّا ونَصيرًا يا رَبَّ العالَمين. اللَّهُمَّ انصُرِ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ منَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ كُن لَهُم مُؤيِّدًا ونَصيرًا، ورَبِّط على قُلوبِهِم، واكشِف غُمَّتَهُم. اللَّهُمَّ اجعَل هَذا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا، وسائرَ بِلادِ المُسلِمين. عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.