من مكتبة مِداد الخطيب

التقوى... سَفينةُ النَّجاةِ في زَمَنِ الخَلَوات

مشاركة
🕌 التقوى... سَفينةُ النَّجاةِ في زَمَنِ الخَلَوات #خطبة_جمعة #التقوى #الخشية #مراقبة_الله #الخوف_من_الله #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ التَّقوَى خَيرَ زادٍ لِلمُسافِرين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ أَكْرَمَ عِبادِهِ عِندَهُ أَتقاهُم، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، إمامُ المُتَّقينَ وقُدوَةُ المُخلِصين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بعدُ: أيُّها الإخوة، كم منَّا يَقِفُ أمامَ المِرآةِ قَبلَ خُروجِهِ لِلنَّاسِ يُرَتِّبُ هِندامَه، ويُحَسِّنُ مَظهَرَه، ويَخافُ أن يَرى الناسُ فيه عَيبًا؟ ولكن، هل سَأَلنا أنفُسَنا يَومًا: متى آخِرُ مَرَّةٍ وَقَفنا فيها أمامَ "مِرآةِ القَلبِ" لِنُنَظِّفَهُ مِمَّا لا يُرضي الله؟ إنَّ المَظاهِرَ قَد تَخدَعُ البَشَر، لكِنَّ السَّرائِرَ هي مَحَطُّ نَظَرِ خَالِقِ البَشَر. هذه الكلمةُ التي نَسمَعُها في كلِّ خُطبةٍ، ونَقرَؤُها في كِتابِ اللهِ في عَشَراتِ المَواضِع.. "التقوى". يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى في مُحكَمِ التَّنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. آيةٌ تَهُزُّ القُلوبَ الحَيَّة.. ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.. فهل نَحنُ مُتَّقون؟ وهل نَفهَمُ حَقيقَةَ هذا السِّرِّ العَظيمِ الذي وَصَّى اللهُ بهِ الأوَّلينَ والآخِرين؟ اسمعوا لهذه الآيةِ التي تَجمَعُ تاريخَ البَشَريَّةِ في وَصيَّةٍ واحِدَة: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131]. إنَّها الغايَةُ من هذا الوُجود، والسَّفينَةُ التي مَن رَكِبَها نَجا، ومَن تَخَلَّفَ عنها غَرِقَ في بَحرِ الشَّهَواتِ والشُّبَهات. ما هي التَّقوى يا عِبادَ الله؟ التقوى ليست مُجَرَّدَ سُبحَةٍ تُحَرِّكُها أصابِعُك، ولا جِلبابًا تَرتَديه، ولا لِحيَةً تُعفيها، مع أنَّ هذه من شَعائِرِ الدِّين. لكنَّ التقوى أعمَقُ من ذلك بِكَثير. واسمعوا لهذا الحديث العظيم، حيث يُشيرُ النَّبيُّ ﷺ إلى صَدرِهِ الشَّريفِ ثلاثَ مَرَّاتٍ ويقول: «التَّقوَى هاهُنا، التَّقوَى هاهُنا، التَّقوَى هاهُنا» [رواه مسلم]. وفي حديثٍ آخر يَقولُ المُصطَفى ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» [رواه مسلم]. لِنَفهَمَ التقوى حَقَّ الفَهم، تَعالَوا نَستَمِع إلى مُحاوَرَةٍ بَينَ عِملاقَينِ من عَمالِقَةِ الإسلام. يَسألُ أميرُ المُؤمِنين عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه، الصَّحابيَّ الجَليلَ أُبَيَّ بنَ كَعبٍ رضي الله عنه: ما التَّقوى؟ فيَرُدُّ أُبَيٌّ بسُؤالٍ عَجيب: "يا أميرَ المُؤمِنين، أما سَلَكتَ طَريقًا ذاتَ شَوك؟" قالَ عُمَر: بلى. قالَ: "فماذا صَنَعت؟" قالَ عُمَر: "شَمَّرتُ واجتَهَدت" (أي رَفَعتُ ثِيابي وحَذِرتُ أن يُصيبَني الشَّوك). فَقالَ أُبَيٌّ بكلمةٍ تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: "فذلِكَ التَّقوى!". تَأمَّلوا.. أنتَ تَمشي في سُوقٍ فيهِ اختِلاطٌ وعُريٌ ومُخالَفات.. هذا هو الشَّوك. أنتَ تُقلِّبُ في هاتِفِكَ فَتَخرُجُ لَكَ مَقاطِعُ تُغضِبُ الله.. هذا هو الشَّوك. أنتَ في عَمَلِكَ وتُعرَضُ عَليكَ رِشوَةٌ مُغَلَّفَةٌ باسمِ الهَديَّة.. هذا هو الشَّوك. المُتَّقي هو الذي يَتَجَنَّبُ هذا الشَّوكَ كي لا يَخدِشَ إيمانَه! ولذلك قال الإمام طَلْقُ بنُ حَبيبٍ رَحِمَهُ الله، مُعَرِّفًا التقوى بأدقِّ تَعبير: "التقوى أن تَعمَلَ بِطاعَةِ الله، على نُورٍ من الله، تَرجو ثَوابَ الله. وأن تَترُكَ مَعصِيَةَ الله، على نُورٍ من الله، تَخافُ عِقابَ الله". ليسَت مُجَرَّدَ عادَة، بل هي نُورٌ يَقذِفُهُ اللهُ في قَلبِ العَبد. عِبادَ الله، إنَّ أَعظَمَ مَحَكٍّ تُختَبَرُ فيه التقوى اليوم، ليس في صُفوفِ المُصَلِّينَ في المَسجِد؛ فهنا الكُلُّ خاشِع، والكُلُّ راكِع. المَحَكُّ الحَقيقيُّ لِلتَّقوى هو حينَ يُغلَقُ عَلَيكَ الباب، وتَنسَدِلُ السَّتائِر، وتَبقى أنتَ وشاشَةُ هاتِفِك، ولا يَراكَ أحَدٌ من البَشَر. هنا.. هنا يَظهَرُ مَعدَنُ الإيمان.
يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]. إنَّ اللهَ يَعْلَمُ تِلكَ النَّظرَةَ الخاطِفَةَ السَّريعَةَ التي تَستَرِقُها وأنتَ تَظُنُّ أنَّ أحَدًا لا يُراقِبُك! واسمَعوا لِهذا الحَديثِ المُرعِب، الذي يَجعَلُ كُلَّ ذي قَلبٍ يَرتَجِف. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا». قال ثَوْبانُ: يا رسولَ الله، صِفْهُم لنا، جَلِّهِم لنا، أن لا نكونَ منهم ونحنُ لا نعلَم! قالَ ﷺ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جَلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» [رواه ابن ماجه وصححه الألباني]. يا سُبحانَ الله! حَسَناتٌ كالجِبالِ تَطيرُ وتَتبَدَّد؟ لِماذا؟ لأنَّ التقوى في العَلانِيَةِ كانَت زائِفَة، ولأنَّ اللهَ يَهونُ في قُلوبِهِم إذا خَلَوا بأنفُسِهِم! إنَّ المُتَّقي الحَقيقيَّ هو من يَخشى اللهَ في سِرِّهِ أكثَرَ مِمَّا يَخشاهُ في عَلانِيَتِه. وفي الحَديثِ المُتَّفَقِ عليه في ذِكرِ السَّبعَةِ الذين يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه، مِنهُم: «وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». خاليًا.. بَعيدًا عن رِياءِ النَّاسِ وسُمعَتِهِم. هذا هو الذي يَقولُ فيه النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ» [رواه مسلم]. الخَفيّ.. الذي عَمَلُهُ الصَّالِحُ مَخفيٌّ لا يَعلَمُهُ إلا الله. ولِنَرى صُوَرَ التَّقوى الحَيَّةِ في واقِعِ سَلَفِنا الصَّالِح، تَعالَوا نَقِف مع هذا المَشهَدِ التَّاريخيِّ الذي يَتَجاوَزُ الخَيال. خَرَجَ عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رضي الله عنهما في سَفَرٍ، فالتَقى بِراعِ غَنَمٍ صَغيرٍ يَرعى الغَنَمَ في الجِبال، فدَعاهُ لِطَعامِه، فَقال الغُلام: إنِّي صائِم. فَتَعَجَّبَ ابنُ عُمَرَ من صيامِهِ في هذا الحَرِّ الشَّديدِ وفي هذا المَكانِ المُقْفِر! فَأَرادَ أن يَختَبِرَ أمانَتَه، فَقال له: بِعني شاةً من هذه الغَنَمِ ونُعطيكَ ثَمَنَها ونُطعِمُكَ من لَحمِها عندَ فِطرِك. فقالَ الغُلام: إنَّها ليسَت لي، إنَّها لِمَولاي (لِسَيِّدي). فَقالَ ابنُ عُمَرَ يَختَبِرُه: قُل لِسَيِّدِك: أكَلَها الذِّئْب! فَنَظَرَ الغُلامُ الرَّاعي إلى ابنِ عُمَرَ نَظرَةً تَحْمِلُ جَلالَ التَّقوى، وَرَفَعَ إصبَعَهُ إلى السَّماءِ وَقالَ كَلِمَةً زَلزَلَت قَلبَ ابنِ عُمَر: "فَأَيْنَ الله؟!". فَأخَذَ ابنُ عُمَرَ يَبكي ويُرَدِّد: قال الرَّاعي فأين الله؟ قال الرَّاعي فأين الله؟ ولَمَّا عادَ إلى المَدينة، اشتَرى الغُلامَ فَأَعتَقَهُ، واشتَرى الغَنَمَ فَوَهَبَها لَه. تقواك في خلوتك، هي ميزان حقيقتك. هذا الغُلامُ كان فَقيرًا، ومُحتاجًا، وبَعيدًا عن الأعيُن، وسَيِّدُهُ لا يَراه. لكنَّهُ كانَ يَملِكُ شَيئًا أغلَى من جِبالِ الذَّهَب.. كانَ يَملِكُ التَّقوى. وفي مَشهَدٍ آخَرَ مُماثِل، في لَيلِ المَدينَةِ المُنَوَّرَة، بَينَما كانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه يَتَفَقَّدُ الرَّعِيَّة، سَمِعَ حِوارًا بَينَ أُمٍّ وابنَتِها في خَيمَةٍ بَسيطَة. الأمُّ تَقولُ لِابنَتِها: يا بُنَيَّة، اخلِطي اللَّبَنَ بالماءِ لِنَزيدَ كَمِّيَّتَهُ لِلبَيع. فقالت البِنتُ التَّقِيَّة: يا أُمَّاه، ألم تَعلَمي أنَّ أميرَ المُؤمِنينَ عُمَرَ نَهى عَن خَلطِ اللَّبَنِ بالماء؟ فقالت الأمُّ في لَحظَةِ ضَعف: يا بُنَيَّة، إنَّ عُمَرَ لا يَرانا الآن! فانتَفَضَتِ الابنَةُ المُؤمِنَةُ وقالَت كَلِمَتَها الخالِدَة: "يا أُمَّاه.. إن كان عُمَرُ لا يَرانا، فَرَبُّ عُمَرَ يَرانا!". هذه هي الثَّمَرَةُ الحَقيقيَّة. هؤلاء لم يَقرَؤوا مُجَلَّداتٍ في الفِقهِ والعَقيدَة، لكِنَّ الإيمانَ خالَطَ شَغافَ قُلوبِهِم، فَعَلِموا أنَّ اللهَ سَميعٌ بَصير. يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: "الخوف من الله يمنعك من المعاصي، والتقوى تحملك على الطاعات". ألا فاعلَموا يا عبادَ اللهِ أنَّ من أعظَمِ ثَمَراتِ التَّقوى في هذه الدُّنيا قَبلَ الآخِرَة، أنَّها المَخرَجُ من كلِّ ضيقٍ، والبابُ لِكُلِّ رِزق. هل تَشعُرُ بِضيقٍ في رِزقِك؟ هل أُغلِقَت في وَجهِكَ الأبواب؟ هل تَعَسَّرَت مَطالِبُك؟ اسمَع إلى هذا الوَعدِ الرَّبَّانيِّ القاطِعِ الذي لا يَعرِفُ الخُلْف: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. قال ابن القيم رحمه الله: "التقوى حراسة للقلب، فإذا حرس العبد قلبه من الذنوب، رزقه الله النور والبصيرة".
إنَّ اللهَ لا يَخذُلُ عَبدًا اتَّقاه، ولا يَترُكُ عَبدًا خافَهُ في السِّرِّ والعَلَن. كم من إنسانٍ تَرَكَ حَرامًا من أجلِ الله، فَعَوَّضَهُ اللهُ حَلالًا لَم يَخطُر لَهُ على بال! وفي الحَديثِ الصَّحيحِ: «إنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ، إِلَّا أَعْطَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ». أيها الأحبة، سيأتي يومٌ تتطاير فيه الصحف، وتشخص فيه الأبصار، ويُكشف فيه ما كان مستوراً في ظلمات الليالي. يوم تنتهي فيه الألقاب، والمناصب، والأموال، ولا يبقى لك إلا ما وقر في قلبك من تقوى، وما سطرته في خلواتك من طاعة. يومها يتفاضل الناس ليس بأنسابهم، بل كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. فمن خاف الله في الدنيا، أمنه الله يوم الفزع الأكبر، وجعل مستقره في جنات النعيم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 54-55]. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، جَعَلَ العاقِبَةَ لِلمُتَّقين، وأشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُهُ، النَّبيُّ الأمين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مع مَعنى التَّقوى، وكيفَ أنَّها حَذَرٌ ويَقَظَةٌ في زَمَنِ الفتن والشَّهَواتِ، ورَأينا كيفَ تُختَبَرُ في الخَلَواتِ ومَعَ الشَّاشاتِ، وعَرَفنا ثَمَرَتَها في الدُّنيا قَبلَ الآخِرة. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ نَعيشُه؟ كيفَ نَخرُجُ من هذا المَسجِدِ ونَحنُ على خُطى المُتَّقين؟ أوصيكم بخَمسٍ قبلَ أن أنزلَ من مَنبَري: الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد النِّيَّةَ في قلبكَ الآن، وعاهِدِ اللهَ على التوبة من كلِّ ذنبٍ تُصِرُّ عليه في خلوتك. الخوف من الله في السرّ يبدأ بقرار صادق؛ فتب إلى الله توبة نصوحاً، فإن الله يفرح بتوبة عبده. الثانية (لِسانيَّة): احفَظ لِسانَكَ عن أعراضِ النَّاس وعن الغيبة والنميمة. فإن من التقوى أن تكفَّ أذاك. وفي الحديث: «الكلمة الطيبة صدقة». اجعل لسانك رطباً بذكر الله، رادعاً عن كل فاحش من القول. الثالثة (عَمَليَّة): حافِظ على صَلَواتِك، وخاصَّةً صَلاة الفَجر في وقتها. واغضُض بَصَرَكَ عما حرَّم الله، سواء في الشارع أو على شاشة هاتفك؛ فالبصر سهم من سهام إبليس، ومن غض بصره أورثه الله حلاوة يجدها في قلبه. الرابعة (اجتماعيَّة): صِلْ رَحِمًا قَطَعتَها، أو اعفُ عَمَّن ظَلَمَك، أو تَصَدَّق بصدقةٍ تَمسَحُ بها دمعة محتاج. فالمتقي ليس من يصوم ويصلي فقط، بل من يسلم الناس من أذاه. وقد قال ﷺ: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء». الخامسة (موضوعيَّة): اجعَل لِنَفسِكَ خَبيئَةً من عَمَلٍ صالِحٍ لا يَعلَمُها إلا الله. ركعتان في جوف الليل، أو دمعة خشية في خلوة، أو صدقة سِرٍّ تُطفئ غضب الرب. لِتَكُن لك رصيداً تلقى به مولاك يوم تُبلى السرائر. فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على النجاة في الدنيا والآخرة، وهي التي تعصمكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وتذكروا قول الحق: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]. ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، استجابةً لأمر ربكم حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين. اللهم اجعلنا من عبادك المتقين، الذين إذا خلوا بمحارمك لم ينتهكوها، وإذا ذُكِّروا بآياتك لم يخروا عليها صمًّا وعمياناً. اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك، واجعل خشيتك في قلوبنا كأننا نراك. اللهم ارزقنا التقوى في السر والعلن، في الغضب والرضا، في المنشط والمكره. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، ولا تفضحنا بين خلقك يوم العرض عليك. اللهم أصلح أحوال المسلمين عامَّة، واجعلهم في كلِّ أرضٍ آمنين مُطمَئنِّين، وارفع الظلم عن المظلومين برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل خير أعمارنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا.
عباد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.