🕌 مَن رَبُّكَ؟... الرِّسالَةُ الأَعظَمُ لِجِيلِ اليَوم
#خطبة_جمعة #تربية_الأبناء #التوحيد #معرفة_الله #الأسرة #عقيدة
الحمدُ للهِ الذي فَطَرَ القُلوبَ على مَعرِفَتِه، وجَبَلَ النُّفوسَ على مَحَبَّتِه، الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ في صُدورِ الأبناءِ فِطرَةً نَقِيَّةً تَعرِفُ خالِقَها قبلَ أن تَنطِقَ الألسِنَة، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، إلهٌ عَظيمٌ رَحيمٌ، تَتَصاغَرُ في عَظَمَتِهِ العُقول، وتَطمَئِنُّ بِذِكرِهِ القُلوب، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أعظَمُ مُعَلِّمٍ، وأرحَمُ مُرَبٍّ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
تَخَيَّلوا معي رَجُلاً بَنى لِوَلَدِهِ قَصراً مَشيداً، ووَفَّرَ لهُ أفضَلَ الطَّعام، وألبَسَهُ أغلَى الثِّياب، وأدخَلَهُ أرقَى المَدارِس... لكنَّهُ نَسِيَ أن يُخبِرَهُ ما اسمُ أبيه! فنَشَأَ الوَلَدُ في النِّعمَةِ وهو لا يَعرِفُ المُنعِم. سَتَقولون: هذا ضَربٌ من الخَيالِ والمُحال. وأقولُ لكم: بل هذا واقِعُ كَثيرٍ من بُيوتِنا اليوم! نُطعِمُ أبناءَنا، ونَكسوهُم، ونُعَلِّمُهُم عُلومَ الدُّنيا، لكنَّهُم قَد يَكبَرونَ وهُم لا يَعرِفونَ "اللهَ" مَعرِفَةً حَقيقيَّةً تُنجيهِم وتُسعِدُهُم. فكيفَ نُعَرِّفُ جِيلَ اليَومِ بِرَبِّهِم؟ إجابَةٌ تَستَحِقُّ الإنصات.
أيُّها الإخوَةُ المُؤمِنون، نَعيشُ اليومَ في عَصرٍ مَفتوحِ السَّماوات. الشَّاشَةُ الصَّغيرَةُ التي يَحمِلُها ابنُكَ وابنَتُكَ بَينَ أيديهِم، تُقَدِّمُ لَهُم في كُلِّ يَومٍ آلافَ المَعلومات. يَعرِفونَ أسماءَ اللَّاعِبين، ويَحفَظونَ تَفاصيلَ الألعابِ الإلكترونيَّة، ويُتابِعونَ المَشاهيرَ حَرَكَةً بِحَرَكَة.
ولكِن، دَعوني أسألُكُم بِصِدق: ماذا يَعرِفُ أبناؤُنا عن الله؟
إذا أُغلِقَت الشَّاشات، ووُضِعَتِ الهَواتِف، وخَلا الشَّابُّ أو الفَتاةُ بِنَفسِه... مَن هُوَ "اللهُ" في قَلبِه؟ هل هُوَ مُجَرَّدُ اسمٍ يَسمَعُهُ في المَسجِد؟ هل هُوَ "قُوَّةٌ عُظمَى" مُخيفَةٌ تَنتَظِرُ عِقابَهُ إذا أخطَأ؟ أم هُوَ الرَّبُّ، الرَّحيمُ، القَريبُ، المَلجَأُ الذي يَأوي إليهِ إذا ضاقَت بِهِ الدُّنيا؟
إنَّ القَضيَّةَ لَيسَت هَيِّنَة. يَقولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مُحَذِّراً ومُنذِراً ومُوَجِّهاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6].
لا تَقتَصِرُ الوِقايَةُ هُنا عَلى مَنعِهِم مِنَ السَّرِقَةِ أو الكَذِب، بَل أوَّلُ وِقايَةٍ، وأعظَمُ حِمايَةٍ، هِيَ أن تَزرَعَ في قُلوبِهِم بَذرَةَ التَّوحيد.
قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: "فإذا وَقَتَ نُطقُهُم — أي الأطفال — فليُلَقَّنوا: لا إله إلا الله، مُحمَّدٌ رسول الله، وليَكُن أوَّلُ ما يَقرَعُ مَسامِعَهُم مَعرِفَةُ اللهِ سُبحانَهُ وتَوحيدُه".
عِبادَ الله، إنَّ الطِّفلَ يُولَدُ وقَلبُهُ مُهَيَّأٌ لِمَعرِفَةِ الله، مُشتَاقٌ إلَيها، لا يَحتاجُ مِنكَ إلى فَلسَفَةٍ مُعَقَّدَة. اسمَعوا إلى النَّبيِّ ﷺ وهو يُقَرِّرُ هَذِهِ الحَقيقَةَ العِلميَّةَ النَّفسيَّةَ قَبلَ قُرون، يَقولُ: «كُلُّ مَولودٍ يُولَدُ على الفِطرَةِ، فأَبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أو يُنَصِّرانِهِ، أو يُمَجِّسانِه» (متفق عليه). الفِطرَةُ هِيَ مَعرِفَةُ الله. هِيَ الخامَةُ النَّقِيَّة. وأنتَ أيُّها الأب، وأنتِ أيَّتُها الأم، إمَّا أن تَسقِيا هَذِهِ الفِطرَةَ فَتُنبِتَ إيماناً لا تُزَلزِلُهُ الجِبال، وإمَّا أن تُهمِلاها فَتَخطَفَها شُبُهاتُ الإلحادِ أو شَهَواتُ العَصر.
ولَعَلَّ سائِلاً يَسأل: كَيفَ أُعَرِّفُ ابنِي بِالله؟ مِن أينَ أبدَأ؟
الجَوابُ في القُرآن، وفي سُنَّةِ المُصطَفى ﷺ.
أوَّلُ خُطوَةٍ في تَعريفِ أبناءِ الإسلامِ بِرَبِّهِم: أن نُعَرِّفَهُم بِهِ مِن خِلالِ نِعَمِهِ ورَحمَتِه، لا مِن خِلالِ النَّارِ والعِقابِ فَقَط.
نَحنُ أحياناً نَستَخدِمُ اسمَ اللهِ لِتَخويفِ الأبناء. إذا أخطَأَ الطِّفلُ قُلنا: "اللهُ سَيُدخِلُكَ النَّار". وإذا كَذَبَ قُلنا: "اللهُ سَيَغضَبُ عَلَيك". فَيَرتَبِطُ اسمُ اللهِ في ذِهنِ الطِّفلِ الصَّغيرِ بِالخَوفِ والرُّعبِ والحِرمان!
أينَ نَحنُ مِن مَنهَجِ القُرآن؟
افتَحوا المُصحَف، أوَّلُ آيَةٍ يَقرَؤُها المُسلِم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 2-3]. اللهُ يُقَدِّمُ نَفسَهُ لِعِبادِهِ بِالرَّحمَةِ والمُلك.
ويَقولُ جَلَّ وعَلا: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].
عَلِّم ابنَكَ أنَّ اللُّعبَةَ التي أفرَحَته، والطَّعامَ اللَّذيذَ الذي يَأكُلُه، والصِّحَّةَ التي يَركُضُ بِها... كُلُّها هَدايا مِنَ الله. قُل لَهُ: "انظُر كَيفَ يُحِبُّنا اللهُ فأعطانا كَذا وكَذا". إذا اقتَرَنَ اسمُ اللهِ في قَلبِ الطِّفلِ بِالحُبِّ والعَطاء، أحَبَّهُ، ومَن أحَبَّ اللهَ أطاعَهُ دونَ سَوطٍ أو عَصا.
ويَقولُ نَبيُّنا ﷺ: «إنَّ اللهَ رَفيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ» (رواه مسلم). فإذا عَرَفَ الشَّابُّ أنَّ رَبَّهُ رَفيقٌ بِه، أرحَمُ بِهِ مِن أُمِّه، لَم يَفرِر مِنهُ إذا أذنَب، بَل يَعوُدُ إلَيهِ باكِياً تائِباً.
الخُطوَةُ الثَّانيَة: تَعظيمُ مَراقَبَةِ اللهِ في القَلب.
وهُنا أستَحضِرُ مَعَكُم مَشهَداً مِن أعظَمِ مَشاهِدِ التَّربيَةِ في التَّاريخ.
لَيسَ في قاعَةِ مُحاضَرات، ولا في قَصرٍ مُنِيف. بَل في الصَّحراءِ المَفتوحَة، تَحتَ أشِعَّةِ الشَّمس، يَمضي نَبيُّ الأُمَّةِ ﷺ عَلى دابَّتِه، ويُردِفُ خَلفَهُ غُلاماً صَغيراً، صَبِيّاً لَم يَبلُغِ الحُلُم، هو عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاس رَضيَ اللهُ عَنهُما.
تَخَيَّلوا المَشهَد... النَّبيُّ ﷺ، قائِدُ الدَّولَةِ، ونَبيُّ الرَّحمَة، يَلتَفِتُ إلى هَذا الصَّبِيِّ، ويَقولُ لَهُ كَلِماتٍ نُحِتَت في ذاكِرَةِ الزَّمان:
«يا غُلامُ، إنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ: احفَظِ اللهَ يَحفَظكَ، احفَظِ اللهَ تَجِدهُ تُجاهَك، إذا سَألتَ فَاسأَلِ الله، وإذا استَعَنتَ فَاستَعِن بِالله...» (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح).
واسمَعوا لهذا التَّأسيسِ العَقَديِّ العَميقِ لِطِفل:
«واعلَم أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجتَمَعَت عَلى أن يَنفَعوكَ بِشَيءٍ، لَم يَنفَعوكَ إلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَك، ولَوِ اجتَمَعوا عَلى أن يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ، لَم يَضُرُّوكَ إلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيك، رُفِعَتِ الأقلامُ وجَفَّتِ الصُّحُف».
يا لَعَظَمَةِ هَذا الدِّين! هَذِهِ الكَلِماتُ تُصنَعُ مِنَ الطِّفلِ رَجُلاً لا يَخافُ أحَداً إلَّا الله، ولا يَرجو أحَداً إلَّا الله. إذا تَشَرَّبَ الغُلامُ هَذا المَعنى، أصبَحَ حُرّاً مِن عُبوديَّةِ البَشَر. لا يُهِمُّهُ ما يَقولُهُ النَّاسُ في مَواقِعِ التَّواصُل، ولا يَنجَرُّ خَلفَ تَقليدٍ أعمَى، لأنَّ قِبلَتَهُ واحِدَة، ورَبَّهُ واحِد، وقَلبَهُ مُعَلَّقٌ بِالسَّماء.
وقَد كانَ سَلَفُنا الصَّالِحُ رَحِمَهُم اللهُ أساتِذَةً في هَذَا الفَن.
يُذكَرُ عَن سَهلِ بنِ عَبدِ اللهِ التُّستَرِيِّ (وهوَ مِن عُلَماءِ السَّلَفِ الصَّالِحين) أنَّهُ قال: كُنتُ ابنَ ثَلاثِ سِنين، فكُنتُ أقومُ باللَّيلِ أنظُرُ إلى صَلاةِ خالي (مُحَمَّدِ بنِ سَوَّار). فقالَ لي يَوماً: "ألا تَذكُرُ اللهَ الذي خَلَقَك؟"
فَقُلتُ: كَيفَ أذكُرُه؟
قال: قُل بِقَلبِكَ عِندَ تَقَلُّبِكَ في ثِيابِك (أي دونَ أن تَنطِقَ بِها): اللهُ مَعي، اللهُ ناظِري، اللهُ شاهِدي.
قال سَهل: فَقُلتُها لَيالِيَ، ثُمَّ أعلَمتُه، فَقَال: قُل كُلَّ لَيلَةٍ سَبعَ مَرَّات. فَقُلتُها. ثُمَّ قال: قُل إحدَى عَشَرَةَ مَرَّة. فَقُلتُها، فَوَقَعَ في قَلبي حَلاوَتُها.
فَلَمَّا مَرَّت سَنَة، قال لي خالي: "احفَظ ما عَلَّمتُك، ودُم عَلَيهِ إلى أن تُدخَلَ القَبر، فإنَّهُ يَنفَعُكَ في الدُّنيا والآخِرَة".
قال سَهل: فما زِلتُ أقولُها سِنين، فَوَجَدتُ لَها حَلاوَةً في سِرِّي. ثُمَّ قال لي خالي يَوماً: "يا سَهل، مَن كانَ اللهُ مَعَهُ، وناظِراً إليه، وشاهِداً عَلَيه... أيَعصيه؟ إيَّاكَ والمَعصِيَة".
تَأمَّلوا... "اللهُ مَعي، اللهُ ناظِري، اللهُ شاهِدي".
ثَلاثُ جُمَلٍ صَنَعَت إماماً! لِأنَّهُ إذا استَقَرَّ في قَلبِ الفَتاةِ أو الشَّابِّ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: 4]، فإنَّهُ لَن يَحتاجَ إلى كاميرا مُراقَبَة، ولا إلى تَفتيشِ هاتِفِه، ولا إلى حارِسٍ يَقِفُ عَلى رَأسِه. رَقابَةُ اللهِ هِيَ الحِصنُ المَنيع.
...
فَانْتَبِه.
قَبلَ أن يُسدَلَ السِّتار.
نَحنُ نَعيشُ في زَمَنٍ تُضَخُّ فيهِ الشُّبُهاتُ ضَخّاً في عُقولِ الشَّباب. مَقاطِعُ قَصيرَةٌ، وأسئِلَةٌ مَلغومَة، وأفكارٌ تَنشُرُ الإلحادَ والتَّشكيكَ في وُجودِ الخالِقِ وفي عَدلِ الشَّريعَة. الشَّابُّ الذي لَم يَتَرَبَّ عَلى مَعرِفَةِ الله، سَيَقَعُ صَريعاً عِندَ أوَّلِ شُبهَة.
قالَ الإمامُ أبو حامِدٍ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ الله، وهو يَصِفُ طَريقَةَ غَرسِ العَقيدَةِ في قَلبِ الصَّغِير: "فإنَّ الصَّبِيَّ في مَبدَأِ نَشوئِهِ يَقبَلُ كُلَّ ما يُلقَى إلَيه... والمُعتَقَدُ الذي يُلَقَّنُ إيَّاهُ في الصِّغَر، يَكونُ كَالنَّقشِ في الحَجَر".
إذا سَألَكَ ابنُكَ: أينَ الله؟ فَلا تَزجُره! بَل أَرِهِ عَظَمَةَ السَّماوات، وقُل لَهُ كَما عَلَّمَنا النَّبيُّ ﷺ حين سَألَ الجاريَة: "أينَ الله؟" قالَت: في السَّماء. قال: "مَن أنا؟" قالَت: رسولُ الله. قال: "أعتِقها فإنَّها مُؤمِنَة" (رواه مسلم). عَلِّمُهُ أنَّ اللهَ فَوقَ سَبعِ سَماوات، مُستَوٍ عَلى عَرشِه، بائِنٌ مِن خَلقِه، ولكِنَّ عِلمَهُ وسَمعَهُ وبَصَرَهُ مَعَنا في كُلِّ مَكان.
إذا سَألَكَ: كَيفَ نَرى الله؟ قُل لَهُ ما بَشَّرَنا بِهِ القُرآن: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]. قُل لَهُ: جَعَلَنا اللهُ وإيَّاكَ مِمَّن يَنظُرُ إلى وَجهِهِ الكَريمِ في الجَنَّة.
ارُبطهُ بِالآخِرَةِ بِشَوق، لا بِرُعبٍ مُدَمِّر.
يا مَن تَسمَعُني الآن، سَواءً كُنتَ أباً، أو مُعَلِّماً، أو أخاً أكبَر...
ابنُكَ غَداً سَيُواجِهُ أمواجَ الدُّنيا وَحدَه. لَن تَكونَ مَعَهُ في جامِعَتِه، ولا في سَفَرِه، ولا عِندَ اختِلائِهِ بِشاشَتِه. السِّلاحُ الوَحيدُ الذي تَستَطيعُ أن تُسَلِّمَهُ إيَّاهُ، والذي لا يَصدَأُ أبَداً... هوَ مَعرِفَةُ الله.
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيِّباً مُباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، صفوته من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. أمَّا بعد:
عباد الله، عَرَفنا في خطبتنا الأولى كيف أنَّ أعظم وراثةٍ نَتركها لأبنائنا هي "معرفة الله"، وتدبرنا كيف أسس النبي ﷺ العقيدة في قلب الغلام ابن عباس، وكيف ينبغي أن نربط قلوب أبنائنا بحب الله ونعمه، ونزرع فيهم حلاوة المراقبة بدلاً من رعب التخويف. والآن، إخواني، بقي السؤال العملي الذي يطرق كل باب: كيف نترجم هذا إلى واقع في بيوتنا وحياتنا اليومية؟
أوصيكم بخمسٍ قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكُم:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد نيَّتَك في تربية أبنائك، واحتَسِب ما تُنفِقه عليهم من مالٍ ووقتٍ وجهدٍ عند الله. واعلَم أنَّ غَرسَ حُبِّ الله في قلب ولدك هو من أعظم "الصدقات الجارية" التي تَنفعك في قبرك.
الثانية (لِسانيَّة): اربِط النِّعَمَ التي يراها ابنك يومياً بالمُنعِم سُبحانه. إذا جَلستُم للطعام قُل: "انظروا كيف رزقنا الله هذا الطعام اللذيذ". وإذا شُفي من مرض قُل: "الحمد لله الذي عافاك، فالله هو الشافي". هذا الربط اللساني المستمر يَحفر في وجدانه عقيدة التوحيد بِسلاسَة.
الثالثة (عَمَليَّة): كُن أنتَ القدوةَ في تَعظيم الله أمامهم. الطِّفلُ الذي يرى أباه يَترك هاتفه وعمله فور سماع ﴿اللَّهُ أَكْبَرُ﴾ ليقوم إلى الصلاة، يَفهم عملياً أنَّ الله أكبر من كل شيء. صَلِّ بعض النوافل في بيتك ليَروك؛ قال ﷺ: «اجعَلوا في بُيوتِكم مِن صَلاتِكم ولا تَتَّخِذوها قُبورًا» (متفق عليه).
الرابعة (اجتماعيَّة): استَمِع لأسئلة أبنائك عن الله وعن الغيب بِصَدرٍ رَحْب، ولا تَزجُرهُم. إذا سألوك عن شيء لا تَعرفه، فقُل بشجاعة: "سنسأل أهل العلم معاً"، أو "هذا من غيب الله الذي استأثر بعلمه". احتضِن حيرتهم قبل أن يَتَخَطَّفهم دعاة الإلحاد في وسائل التواصل.
الخامسة (موضوعيَّة): خَصِّص — في هذا الأسبوع — عَشرَ دقائقَ فقط تجلس فيها مع أهل بيتك، تَقُصُّ عليهم قصةً من قصص الأنبياء، أو تَشرح لهم اسماً من أسماء الله الحسنى، كالرزاق، أو الرحمن، أو اللطيف. اجعلها لحظة دفء وإيمان، لا لحظة تلقين وتوبيخ.
فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على أداء الأمانة في بيوتكم، ورعاية ما استرعاكم الله عليه.
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمام المربين وقدوة العالمين، فقد قال جل من قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحب والآل، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم اجعلنا وأبناءنا من أهل التوحيد والإيمان، الذين لا يرجون أحداً سواك، ولا يخافون أحداً غيرك.
اللهم احفظ أبناءنا وبناتنا من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
اللهم حصّن عقولهم من الشبهات، وطهّر قلوبهم من الشهوات، وازرع في قلوبهم حبك، وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربهم إلى حبك.
اللهم أعنا على تربيتهم، وسدِّدنا في توجيههم، واجعلهم قرة عين لنا في الدنيا والآخرة، واجعلهم صدقة جارية لنا بعد مماتنا.
اللهم آمن روعات المسلمين، واستر عوراتهم، واحقن دماءهم في كل مكان يا رب العالمين، وانصر المستضعفين من عبادك بقوتك يا قوي يا عزيز.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مَن رَبُّكَ؟... الرِّسالَةُ الأَعظَمُ لِجِيلِ اليَوم
1,814 كلمةنص كامل · جاهز للقراءة والنسخ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.
كلماتٌ أخرى تحمل أثرًا
كل المكتبةخطب الجمعةالعربية
تَضحِيَاتُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ وَصَبرُهُم عَلَى الأَذَى فِي سَبِيلِ الإِسلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن ثَمَنِ الثَّبَاتِ عَلَى العَقِيدَةِ وَمَوَاقِفِ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ وَأَئِمَّةِ الهُدَى
تَضحِيَاتُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ وَصَبرُهُم عَلَى الأَذَى فِي سَبِيلِ الإِسلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن ثَمَنِ الثَّبَاتِ عَلَى العَقِيدَةِ وَمَوَاقِف…
تزكية النفسالسيرة والصحابة
2,188 كلمةاقرأ النص كاملًا
خطب الجمعةالعربية
وَفَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَعظَمُ مَصَائِبِ الأُمَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَشهَدِ الوَدَاعِ النَّبَوِيِّ وَوَصَايَاهُ الأَخِيرَةِ وَثَبَاتِ الصِّدِّيقِ وَوَاجِبِنَا فِي التَّمَسُّكِ بِسُنَّتِهِ
وَفَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَعظَمُ مَصَائِبِ الأُمَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَشهَدِ الوَدَاعِ النَّبَوِيِّ وَوَصَايَاهُ الأَخِير…
السيرة والصحابةالموت والآخرة
2,134 كلمةاقرأ النص كاملًا
خطب الجمعةالعربية
شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يُدعَى لَهَا الأَغنِيَاءُ وَيُترَكُ الفُقَرَاءُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن خُطُورَةِ الطَّبَقِيَّةِ وَالرِّيَاءِ فِي الأَفرَاحِ وَفَضلِ جَبرِ خَوَاطِرِ المَسَاكِينِ
شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يُدعَى لَهَا الأَغنِيَاءُ وَيُترَكُ الفُقَرَاءُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن خُطُورَةِ الطَّبَقِيَّةِ وَالرِّيَاءِ فِي الأ…
الأخلاق والمعاملاتالمجتمع والعلاقات
1,974 كلمةاقرأ النص كاملًا