ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ تَمحُو الخَطَايَا وَتَرفَعُ الدَّرَجَاتِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن إِسبَاغِ الوُضُوءِ وَكَثرَةِ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ وَانتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعدَ الصَّلَاةِ
الحَمدُ للهِ غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّولِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيهِ المَصِير، الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ الَّذِي فَتَحَ لِعِبَادِهِ المُؤمِنِينَ فِي كُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ أَنهَارًا جَارِيَةً مِنَ المَغفِرَةِ وَالتَّطهير، وَجَعَلَ الحَسَنَاتِ مَاحِيَاتٍ لِلسَّيِّئَاتِ وَمُكَفِّرَاتٍ لِلذُّنُوبِ وَإِن كَانَت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ الغَزِير، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ عَلَى مَا هَدَانَا إِلَيهِ مِن شَرَائِعِ الإِسلَامِ وَمَوَاسِمِ الإِنعَام، وَنَشكُرُهُ عَلَى نِعمَةِ الطُّهُورِ وَالصَّلَاةِ وَعِمَارَةِ البُيُوتِ العِظَام، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلَام، القَائِلُ فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ مِن سُورَةِ هُودٍ تَبشِيرًا لِلتَّائِبِينَ وَالعَامِلِين: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ بِأُمَّتِهِ، الدَّالُّ عَلَى كُلِّ خَيرٍ يَمحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا وَيَرفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ فِي جَنَّتِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ السَّابِقِينَ الأَبرَار، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَار.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ التَّقوَى هِيَ زَادُ السَّائِرِينَ إِلَى رَبِّ العَالَمِين، وَسَبَبُ تَكفِيرِ السَّيِّئَاتِ وَتَعظِيمِ الأُجُورِ يَومَ الدِّين؛ كَمَا قَالَ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الطَّلَاق: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾.
أَيُّهَا المُسلِمُون: إِنَّ الإِنسَانَ فِي مَسِيرَتِهِ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنيَا كَثِيرُ العَثَرَاتِ، عُرضَةٌ لِلغَفلَةِ وَالزَّلَّات؛ تَزلُّ قَدَمُهُ تَارَةً، وَيَطغَى لِسَانُهُ تَارَةً، وَتَشرُدُ عَينُهُ أَو يَغفُلُ قَلبُهُ تَارَةً أُخرَى؛ وَلَولَا أَنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ بِلُطفِهِ وَسَعَةِ رَحمَتِهِ شَرَعَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ المَرحُومَةِ مَحَطَّاتٍ يَومِيَّةً يَتَطَهَّرُ فِيهَا العَبدُ مِن أَدرَانِ الذُّنُوبِ وَالأَوزَار، لَهَلَكَ النَّاسُ وَثَقُلَت ظُهُورُهُم بِالأَحمَال!
وَمِن أَعظَمِ تِلكَ المِنَحِ الإِلَهِيَّةِ الَّتِي يَغفُلُ عَن قَدرِهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مَعَ أَنَّهَا بَينَ أَيدِيهِم كُلَّ يَومٍ خَمسَ مَرَّاتٍ: «ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ عَظِيمَاتٍ» جَمَعَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ جَلِيلٍ مِن جَوَامِعِ كَلِمِهِ، وَأَخبَرَ أَنَّ المَلَأَ الأَعلَى مِنَ المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ فِي السَّمَاوَاتِ يَختَصِمُونَ فِيهَا، أَي يَتَبَادَرُونَ وَيَتَسَابَقُونَ لِصُعُودِهَا إِلَى اللهِ وَتَدوِينِ أُجُورِهَا العَظِيمَة!
فَمَا هِيَ هَذِهِ «الكَفَّارَاتُ الثَّلَاثُ»؟ وَكَيفَ تَعمَلُ فِي مَحوِ الذُّنُوبِ وَرَفعِ الدَّرَجَاتِ؟ وَلِمَاذَا سَمَّاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ «الرِّبَاطَ»؟ وَكَيفَ كَانَ حَالُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ مَعَهَا؟
عِبَادَ اللهِ: اِستَمِعُوا بِقُلُوبِكُم إِلَى هَذَا النِّدَاءِ النَّبَوِيِّ المُشَوِّقِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصحَابِهِ يَومًا: «أَلَا أَدُلُّكُم عَلَى مَا يَمحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «إِسبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ».
وَفِي الجَامِعِ لِلتِّرمِذِيِّ وَمُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فِي حَدِيثِ الرُّؤيَا النَّبَوِيَّةِ العَظِيمَةِ حِينَ سَأَلَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ، فِيمَ يَختَصِمُ المَلَأُ الأَعلَى؟ قُلتُ: فِي الكَفَّارَاتِ! قَالَ: مَا هُنَّ؟ قُلتُ: مَشيُ الأَقدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ، وَالجُلُوسُ فِي المَسَاجِدِ بَعدَ الصَّلَوَاتِ، وَإِسبَاغُ الوُضُوءِ فِي المَكرُوهَاتِ»؛ وَفِي لَفظٍ لِلتِّرمِذِيِّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثٌ كَفَّارَاتٌ: إِسبَاغُ الوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ، وَانتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعدَ الصَّلَاةِ، وَنَقلُ الأَقدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ».
اللهُ أَكبَرُ يَا عِبَادَ الله! ثَلَاثُ خِصَالٍ مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ لَا تَحتَاجُ إِلَى مَالٍ طَائِلٍ، وَلَا إِلَى سَفَرٍ بَعِيدٍ، بَل يَقدِرُ عَلَيهَا الغَنِيُّ وَالفَقِيرُ، وَالكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ، وَجَعَلَهَا اللهُ تَجمَعُ بَينَ فَضِيلَتَينِ عَظِيمَتَينِ: التَّخلِيَةِ وَالتَّحلِيَةِ؛ أَمَّا التَّخلِيَةُ فَهِيَ «مَحوُ الخَطَايَا وَتَكفِيرُ السَّيِّئَاتِ»، وَأَمَّا التَّحلِيَةُ فَهِيَ «رَفعُ الدَّرَجَاتِ فِي أَعلَى الجَنَّاتِ»! فَتَعَالَوا نَقِفْ مَعَ كُلِّ كَفَّارَةٍ مِن هَذِهِ الكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ وَقفَةَ تَدَبُّرٍ وَبَيَان:
أَمَّا الكَفَّارَةُ الأُولَى فَهِيَ: «إِسبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ»:
فَمَا هُوَ إِسبَاغُ الوُضُوءِ؟ وَمَا هِيَ المَكَارِهُ؟
إِسبَاغُ الوُضُوءِ هُوَ إِتمَامُهُ وَإِكمَالُهُ، وَإِعطَاءُ كُلِّ عُضوٍ مِن أَعضَاءِ الوُضُوءِ حَقَّهُ الوَافِيَ مِنَ المَاءِ، مَعَ تَخلِيلِ الأَصَابِعِ، وَالمُبَالَغَةِ فِي المَضمَضَةِ وَالِاستِنشَاقِ لِغَيرِ الصَّائِمِ، وَإِبلَاغِ المَاءِ إِلَى المَرَافِقِ وَالعَقِبَينِ وَالكَعبَينِ، وَتَثلِيثِ الغَسلِ كَمَا تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ استِجَابَةً لِأَمرِ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾.
وَأَمَّا «عَلَى المَكَارِهِ» - وَفِي الرِّوَايَةِ الأُخرَى: «فِي السَّبَرَاتِ» - فَهِيَ الأَحوَالُ الَّتِي تَكرَهُ فِيهَا النَّفسُ البَشَرِيَّةُ بِطَبعِهَا مَسَّ المَاءِ أَوِ القِيَامَ لِلطَّهَارَةِ؛ كَأَن يَقُومَ العَبدُ فِي شِدَّةِ بَردِ الشِّتَاءِ وَقَرِّ السَّحَرِ، أَو يَقُومَ وَهُوَ مُرهَقُ البَدَنِ يَشتَهِى الدِّفءَ وَالنَّومَ، فَيُجَاهِدُ نَفسَهُ وَهَوَاهُ، وَيَحسِرُ عَن ذِرَاعَيهِ وَقَدَمَيهِ، وَيُسبِغُ الوُضُوءَ طَاعَةً للهِ وَرَجَاءً لِثَوَابِهِ!
أَتَدرُونَ مَاذَا يَحدُثُ لِذُنُوبِ العَبدِ فِي تِلكَ اللَّحظَةِ الَّتِي يَجرِي فِيهَا المَاءُ عَلَى أَعضَائِهِ؟
لَقَد كَشَفَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن مَشهَدٍ غَيبِيٍّ عَجِيبٍ؛ فَقَد رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن تَوَضَّأَ فَأَحسَنَ الوُضُوءَ خَرَجَت خَطَايَاهُ مِن جَسَدِهِ، حَتَّى تَخرُجَ مِن تَحتِ أَظفَارِهِ»!
وَأَخرَجَ الإِمَامُ مُسلِمٌ أَيضًا عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ العَبدُ المُسلِمُ - أَوِ المُؤمِنُ - فَغَسَلَ وَجهَهُ، خَرَجَ مِن وَجهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيهَا بِعَينَيهِ مَعَ المَاءِ، أَو مَعَ آخِرِ قَطرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيهِ خَرَجَ مِن يَدَيهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ، أَو مَعَ آخِرِ قَطرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجلَيهِ خَرَجَت كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتهَا رِجلَاهُ مَعَ المَاءِ، أَو مَعَ آخِرِ قَطرِ المَاءِ، حَتَّى يَخرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ»!
فَسُبحَانَ مَن جَعَلَ قَطَرَاتِ المَاءِ تَغسِلُ ظَاهِرَ الجَسَدِ مِنَ الحَدَثِ، وَتَغسِلُ بَاطِنَ الرُّوحِ وَالصَّحِيفَةِ مِنَ الخَطَايَا، ثُمَّ تَنقَلِبُ تِلكَ الأَعضَاءُ يَومَ القِيَامَةِ نُورًا يَتَلَألَأُ بَينَ الخَلَائِقِ؛ فَيَأتِي أَهلُ الوُضُوءِ «غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثَارِ الوُضُوءِ» كَمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ رَحِمَهُمُ اللهُ يَفرَحُونَ بِبَردِ المَاءِ فِي الشِّتَاءِ وَيَستَحضِرُونَ عِندَ كُلِّ غَسلَةٍ تَسَاقُطَ الذُّنُوبِ؛ حَتَّى قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيرُهُ مِنَ الأَئِمَّةِ لِبَعضِ مَن رَأَوا عَليهِم أَثَرَ الغَفلة: «تَوَضَّؤُوا فَتَطَهَّرُوا مِن أَدرَانِ الذُّنُوبِ كَمَا تَتَطَهَّرُونَ مِنَ الأَحدَاثِ»، وَصَدَقَ اللهُ العَظِيمُ القَائِلُ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
وَأَمَّا الكَفَّارَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ: «كَثرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ وَنَقلُ الأَقدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ»:
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ المَسَاجِدَ هِيَ بُيُوتُ اللهِ فِي أَرضِهِ، وَمَهَابِطُ رَحمَتِهِ، وَأَحَبُّ البِقَاعِ إِلَيهِ؛ وَالمُؤمِنُ حِينَ يَتَوَضَّأُ فِي بَيتِهِ ثُمَّ يَخرُجُ مَاشِيًا إِلَى المَسجِدِ لَا يُخرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، فَهُوَ فِي ضِيَافَةِ المَلِكِ الكَرِيمِ مِن لَحظَةِ أَن يَضَعَ قَدَمَهُ خَارِجَ عَتَبَةِ بَيتِهِ!
وَتَأَمَّلُوا هَذَا الحِسَابَ الإِلَهِيَّ الدَّقِيقَ لِكُلِّ خُطوَةٍ تَخطُوهَا بِقَدَمِكَ إِلَى المَسجِدِ؛ فَقَد رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن تَطَهَّرَ فِي بَيتِهِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ لِيَقضِيَ فَرِيضَةً مِن فَرَائِضِ اللهِ، كَانَت خَطوَتَاهُ إِحدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخرَى تَرفَعُ دَرَجَةً»!
هَل تَستَوعِبُ العُقُولُ هَذَا الفَضلَ العَظِيم؟! لَو كَانَ بَينَ بَيتِكَ وَبَيتِ اللهِ مِئَتَا خُطوَةٍ فِي الذَّهَابِ وَمِثلُهَا فِي الإِيَابِ، فَإِنَّكَ فِي الصَّلَاةِ الوَاحِدَةِ تُمحَى عَنكَ مِئَتَا سَيِّئَةٍ، وَتُرفَعُ لَكَ مِئَتَا دَرَجَةٍ فِي الجَنَّةِ، فَتَرجِعُ فِي اليَومِ الوَاحِدِ مِنَ الصَّلَوَاتِ الخَمسِ بِأَلفِ خَطِيئَةٍ مَمحُوَّةٍ وَأَلفِ دَرَجَةٍ مَرفُوعَة! وَقَد ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَيضًا أَنَّ خُطُوَاتِ العَبدِ تُكتَبُ لَهُ فِي ذَهَابِهِ إِلَى المَسجِدِ وَفِي رُجُوعِهِ إِلَى أَهلِهِ!
وَاسمَعُوا هَذِهِ القِصَّةَ النَّبَوِيَّةَ العَجِيبَةَ الَّتِي تُبَيِّنُ كَيفَ فَقِهَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ سِرَّ «كَثرَةِ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ»؛ فَقَد أَخرَجَ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ لَا أَعلَمُ رَجُلًا أَبعَدَ مِنَ المَسجِدِ مِنهُ، وَكَانَ لَا تُخطِئُهُ صَلَاةٌ! فَقِيلَ لَهُ - أَو قُلتُ لَهُ -: لَوِ اشتَرَيتَ حِمَارًا تَركَبُهُ فِي الظَّلمَاءِ وَفِي الرَّمضَاءِ - أَي فِي ظُلمَةِ اللَّيلِ وَحَرِّ الرَّمضاءِ المُلتَهِبَةِ -! فَقَالَ الرَّجُلُ: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنزِلِي إِلَى جَنبِ المَسجِدِ؛ إِنِّي أُرِيدُ أَن يُكتَبَ لِي مَمشَايَ إِلَى المَسجِدِ، وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعتُ إِلَى أَهلِي!»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «قَد جَمَعَ اللهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ»!
وَلَمَّا أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم - وَكَانَت دِيَارُهُم فِي طَرَفِ المَدِينَةِ بَعِيدَةً عَنِ المَسجِدِ النَّبَوِيِّ - أَن يَنتَقِلُوا وَيَسكُنُوا قُربَ المَسجِدِ، قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «يَا بَنِي سَلِمَةَ، دِيَارَكُم تُكتَبْ آثَارُكُم! دِيَارَكُم تُكتَبْ آثَارُكُم!»؛ وَذَلِكَ تَحقِيقًا لِقَولِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ يس: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾!
وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ إِذَا مَشَوا إِلَى المَسجِدِ قَاربُوا بَينَ خُطَاهُم وَلَم يُسرِعُوا إِسرَاعًا يَقطَعُ الخُطُوَاتِ؛ رَغبَةً فِي تَكثِيرِ الحَسَنَاتِ وَتَعظِيمِ الكَفَّارَات؛ قَالَ زَيدُ بنُ ثَابِتٍ وَأَنَسُ بنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «قَارِبُوا بَينَ الخُطَا إِلَى المَسجِدِ؛ فَإِنَّ كُلَّ خُطوَةٍ بَحَسَنَةٍ وَكَفَّارَة»!
وَأَمَّا الكَفَّارَةُ الثَّالِثَةُ فَهِيَ: «انتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعدَ الصَّلَاةِ وَالجُلُوسُ فِي المَسَاجِدِ بَعدَ الصَّلَوَاتِ»:
وَهَذِهِ الخَصلَةُ العَظِيمَةُ هِيَ عُنوَانُ مَحَبَّةِ العَبدِ لِرَبِّهِ وَأُنسِهِ بِمُنَاجَاتِهِ؛ فَالَّذِي يُحِبُّ بَيتَ اللهِ لَا يَدخُلُهُ دُخُولَ المُضطَرِّ المُستَعجِلِ الَّذِي يَنقُرُ الصَّلَاةَ ثُمَّ يَفرُّ مِنَ المَسجِدِ قَبلَ أَن يُتِمَّ تَسبِيحَهُ وَأَذكاره، بَل يَأوِي إِلَى المَسجِدِ كَمَا يَأوِي الطَّيرُ إِلَى وَكرِهِ وَالسَّمَكُ إِلَى المَاء؛ إِن بَكَّرَ قَبلَ الصَّلَاةِ جَلَسَ يَنتَظِرُ الإِقَامَةَ تَالِيًا ذَاكِرًا، وَإِن فَرَغَ مِن صَلَاةِ المَغرِبِ مَكَثَ فِي مُصَلَّاهُ يَنتَظِرُ صَلَاةَ العِشَاءِ، وَإِن خَرَجَ إِلَى شُغلِهِ وَمعَاشِهِ خَرَجَ وَقَلبُهُ مُعَلَّقٌ بِالمَسجِدِ يَحسِبُ السَّاعَاتِ مَتَى يَرفَعُ المُؤَذِّنُ النِّدَاءَ لِيَعُودَ إِلَى مِحرَابِ رَبِّهِ!
وَانظُرُوا إِلَى الكَرَامَةِ الإِلَهِيَّةِ الَّتِي يَنَالُهَا مَن جَلَسَ فِي المَسجِدِ يَنتَظِرُ الصَّلَاةَ أَو مَكَثَ بَعدَهَا؛ فَقَد أَخرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُم مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَم يُحدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارحَمْهُ! وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُم فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحبِسُهُ، لَا يَمنَعُهُ أَن يَنقَلِبَ إِلَى أَهلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ»!
أَيُّ كَنزٍ أَعظَمُ مِن هَذَا يَا عِبَادَ الله؟! أَنتَ جَالِسٌ فِي مَكَانِكَ مُستَرِيحُ البَدَنِ، وَعَدَّادُ الحَسَنَاتِ يَكتُبُ لَكَ أَجرَ قَائِمٍ راكِعٍ سَاجِدٍ فِي صَلَاةٍ مُتَّصِلَةٍ، وَمَلَائِكَةُ الرَّحمَنِ الَّذِينَ لَا يَعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ يَدعُونَ لَكَ بِالمَغفِرَةِ وَالرَّحمَةِ، وَدُعَاءُ المَلَائِكَةِ مُستَجَابٌ لَا يُرَدّ!
وَاسأَلُوا أَنفُسَكُم - رَحِمَكُمُ اللهُ - حِينَ نَنظُرُ فِي وَاقِعِنَا المُعَاصِر:
كَم مِنَ النَّاسِ اليَومَ يَجلِسُ فِي المَقَاهِي أَوِ المَجَالِسِ أَو أَمَامَ شَاشَةِ الهَاتِفِ وَالمُبَارَيَاتِ السَّاعَةَ وَالسَّاعَتَينِ وَالثَّلَاثَ دُونَ أَن يَشعُرَ بِمَلَلٍ أَو ضِيق، حَتَّى إِذَا دَخَلَ بَيتَ اللهِ ضَاقَ صَدرُهُ بَعْدَ التَّسلِيمِ مِنَ الصَّلَاةِ بِخَمسِ دَقَائِقَ يَذكُرُ اللهَ فِيهَا أَو يَنتَظِرُ صَلَاةً بَعدَ صَلَاة، فَإِذَا بِهِ يَثِبُ مُسرِعًا إِلَى البَابِ وَيَحِرمُ نَفسَهُ دُعَاءَ المَلَائِكَةِ وَكَفَّارَةَ الذُّنُوب؟!
وَلَقَد كَانَ أَصحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعُونَ يَحيَونَ هَذِهِ السُّنَّةَ العَظِيمَةَ؛ فَقَد أَخرَجَ ابنُ مَاجَه وَصَحَّحَهُ الأَئِمَّةُ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: صَلَّينَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ المَغرِبَ، فَرَجَعَ مَن رَجَعَ وَعَقَّبَ مَن عَقَّبَ - أَي بَقِيَ يَنتَظِرُ العِشَاءَ -، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مُسرِعًا قَد حَفَزَهُ النَّفَسُ، وَقَد حَسَرَ عَن رُكبَتَيهِ، فَقَالَ: «أَبشِرُوا! هَذَا رَبُّكُم قَد فَتَحَ بَابًا مِن أَبوَابِ السَّمَاءِ يُبَاهِي بِكُمُ المَلَائِكَةَ، يَقُولُ: انظُرُوا إِلَى عِبَادِي قَد قَضَوا فَرِيضَةً وَهُم يَنتَظِرُونَ أُخرَى»!
بارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ عِمَارَةَ المَسَاجِدِ بِالطَّاعَةِ آيَةَ الإِيمَان، وَبَشَّرَ المُحَافِظِينَ عَلَى الكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ بِالرِّضوَانِ وَالجِنَان، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الكَرِيمُ المَنَّان، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، سَيِّدُ وَلَدِ عَدنَان، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَان.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: هَل تَأَمَّلتُم قَولَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي خِتَامِ حَدِيثِ الكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ: «فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ»؟!
لِمَاذَا سَمَّى صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِسبَاغَ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثرَةَ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانتِظَارَ الصَّلَاةِ بَعدَ الصَّلَاةِ: «الرِّبَاطَ»، وَكَرَّرَهَا تَعظِيمًا لِشَأنِهَا؟
قَالَ العُلَمَاءُ المُحَقِّقُونَ كَالإِمَامِ النَّوَوِيِّ وَابنِ القَيِّمِ وَالقَاضِي عِيَاضٍ رَحِمَهُمُ اللهُ: الرِّبَاطُ فِي الأَصلِ هُوَ الإِقَامَةُ عَلَى ثُغُورِ الإِسلَامِ لِحِرَاسَةِ بِلَادِ المُسلِمِينَ مِن هَجَمَاتِ الأَعدَاءِ؛ وَلَمَّا كَانَ لِلقَلبِ ثُغُورٌ يَهجُمُ مِنهَا الشَّيطَانُ وَالهَوَى وَالنَّفسُ الأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ، كَانَت هَذِهِ الكَفَّارَاتُ الثَّلَاثُ أَعظَمَ حِصنٍ يَربِطُ بِهِ المُؤمِنُ نَفسَهُ عَنِ المَعَاصِي، وَيَقطَعُ بِهِ طَرِيقَ الشَّيطَانِ إِلَى قَلبِهِ! فَكَمَا أَنَّ المُرَابِطَ فِي الثَّغرِ يَحرُسُ الحُدُودَ، فَإِنَّ المُتَوَضِّئَ المَاشِيَ إِلَى المَسجِدِ المُنتَظِرَ لِلصَّلَاةِ يُرَابِطُ عَلَى ثَغرِ قَلبِهِ وَجَوَارِحِهِ، وَيَندَرِجُ فِي قَولِ اللهِ تَعَالَى فِي خِتَامِ سُورَةِ آلِ عِمرَان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾!
كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَرَنَ بِهَذِهِ «الكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ» أُختَهَا وَهِيَ «الدَّرَجَاتُ الثَّلَاثُ» الَّتِي تَرفَعُ العَبدَ فِي غُرُفَاتِ الفِردَوسِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَأَمَّا الدَّرَجَاتُ: فَإِطعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفشَاءُ السَّلَامِ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ»؛ فَجَمَعَ بَينَ الإِحسَانِ مَعَ الخَالِقِ بِالطَّهَارَةِ وَالمَسجِدِ وَقِيَامِ اللَّيلِ، وَالإِحسَانِ مَعَ الخَلقِ بِإِطعَامِ الجَائِعِ وَبَذلِ السَّلَام!
فَيَا مَن أَثقَلَتهُ الذُّنُوبُ وَأَقلَقَتهُ الخَطَايَا، وَيَا مَن يَرجُو أَن يَلقَى اللهَ نَقِيَّ الصَّحِيفَةِ رَفِيعَ الدَّرَجَةِ: دُونَكُم هَذِهِ الوَصَايَا العَمَلِيَّةَ الخَمسَ لِإِحيَاءِ «الكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ» فِي حَيَاتِنَا اليَومِيَّة:
أَوَّلًا: أَحسِنُوا الوُضُوءَ فِي بُيُوتِكُم قَبلَ الخُرُوجِ إِلَى المَسجِدِ، وَأَسبِغُوهُ عَلَى أَعضَائِكُم لَا سِيَّمَا فِي أَوقَاتِ البَردِ وَالكَسَلِ، مَعَ استِحضَارِ نِيَّةِ تَكفِيرِ الذُّنُوبِ مَعَ قَطَرَاتِ المَاء.
ثَانِيًا: اِحرِصُوا عَلَى المَشيِ عَلَى الأَقدَامِ إِلَى المَسَاجِدِ مَتَى أَمكَنَكُم ذَلِكَ، وَاحتَسِبُوا كُلَّ خُطوَةٍ فِي ذَهَابِكُم وَإِيَابِكُم حَسَنَةً تُكتَبُ وَخَطِيئَةً تُمحَى وَدَرَجَةً تُرفَع.
ثَالِثًا: بَكِّرُوا إِلَى الصَّلَوَاتِ قَبلَ الإِقَامَةِ بِدَقَائِقَ تَنتَظِرُونَ فِيهَا الصَّلَاةَ، وَامكُثُوا بَعدَ الفَرِيضَةِ لِلأَذكارهِ المَشرُوعَةِ لِتَفُوزُوا بِصَلَاةِ المَلَائِكَةِ عَلَيكُم وَاستِغفَارِهِم لَكُم.
رَابِعًا: خَصِّصُوا يَومًا أَو أَكثَرَ فِي الأُسبُوعِ لِلمُكثِ فِي المَسجِدِ بَينَ صَلَاتَيِ المَغرِبِ وَالعِشَاءِ فِي حَلقَةِ عِلمٍ أَو تِلَاوَةِ قُرآنٍ وَذِكرٍ، إِحيَاءً لِسُنَّةِ الرِّبَاطِ بَينَ الصَّلَاتَين.
خَامِسًا: عَلِّمُوا أَبنَاءَكُم هَذِهِ الكَفَّارَاتِ الثَّلَاثَ وَاصحَبُوهُم مَعَكُم إِلَى بُيُوتِ اللهِ لِتَنشَأَ قُلُوبُهُم مُعَلَّقَةً بِالمَسَاجِدِ، فَيَكُونُوا مِنَ السَّبعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّه.
وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ وَصَفَ أُنسَ المُؤمِنِينَ بِإِسبَاغِ الطَّهُورِ وَالمَشيِ إِلَى بُيُوتِ اللهِ:
طُوبَى لِعَبدٍ أَسبَغَ الطُّهرَ رَاجِيًا ... رِضَا رَبِّهِ فِي القَرِّ وَاللَّيلُ مُظلِمُ
وَسَارَت خُطَاهُ لِلمَسَاجِدِ خُشَّعًا ... فَمِنهَا خَطَايَاهُ الكَثِيرَةُ تُهدَمُ
وَظَلَّ بِبَيتِ اللهِ يَرقُبُ فَرضَهُ ... تُصَلِّي عَلَيهِ الطَّاهِرَاتُ وَيُكرَمُ
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - عَلَى نَبِيِّ الرَّحمَةِ وَالهُدَى، كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ فَقَالَ فِي سُورَةِ الأَحزَاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ بِالدُّعَاءِ الَّذِي عَلَّمتَهُ نَبِيَّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الكَفَّارَاتِ وَالدَّرَجَاتِ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ فِعلَ الخَيرَاتِ، وَتَركَ المُنكَرَاتِ، وَحُبَّ المَسَاكِينِ، وَأَن تَغفِرَ لَنَا وَتَرحَمَنَا، وَإِذَا أَرَدتَ فِتنَةَ قَومٍ فَتَوَفَّنَا غَيرَ مَفتُونِينَ، وَنَسأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَن يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَام.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا وَأَجسَادَنَا وَصَحَائِفَنَا مِنَ الذُّنُوبِ وَالخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَاجعَلْ قُلُوبَنَا مُعَلَّقَةً بِمَسَاجِدِكَ، وَاكتُبْ لَنَا بِكُلِّ خُطوَةٍ إِلَيهَا مَحوَ سَيِّئَةٍ وَرَفعَ دَرَجَةٍ، وَاحشُرنَا يَومَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثَارِ الوُضُوءِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِين.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَاحفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَفِتنَةٍ، وَفرِّجْ كَربَ المَكرُوبِينَ، وَارحَمْ مَوتَانَا وَاشفِ مَرضَانَا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِين.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ تَمحُو الخَطَايَا وَتَرفَعُ الدَّرَجَاتِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن إِسبَاغِ الوُضُوءِ وَكَثرَةِ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ وَانتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعدَ الصَّلَاةِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.