وَقَفَاتٌ إِيمَانِيَّةٌ وَتَربَوِيَّةٌ مَعَ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: اتَّقِ اللهَ حَيثُمَا كُنتَ وَأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ
الحَمدُ للهِ الرَّقِيبِ الشَّهِيدِ، الحَمِيدِ المَجِيدِ، الَّذِي يَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ، وَيَطلِعُ عَلَى السَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ فِي ظُلُمَاتِ الدَّيَاجِيرِ وَفِي النُّورِ، جَعَلَ التَّقوَى زَادَ القُلُوبِ إِلَى جَنَّاتِ الحُبُورِ، وَمَحَا السَّيِّئَاتِ بِالحَسَنَاتِ فَضْلًا مِنهُ وَرَحمَةً وَهُوَ الغَفُورُ الشَّكُورُ، وَرَفَعَ أَهلَ الخُلُقِ الحَسَنِ إِلَى أَعلَى المَنَازِلِ وَالقُصُورِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَن رَاقَبَهُ فِي خَلوَتِهِ وَجَلوَتِهِ، وَأَنَابَ إِلَيهِ بَعدَ عَثرَتِهِ وَهَفوَتِهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ إِخلَاصٍ وَيَقِينٍ تُنجِي قَائِلَهَا يَومَ النُّشُورِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، الَّذِي زَكَّاهُ رَبُّهُ فِي خُلُقِهِ العَظِيمِ، وَآتَاهُ جَوَامِعَ الكَلِمِ وَالحِكمَةِ لِيَهدِيَ الخَلقَ إِلَى الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، أَمَّا بَعد:
فَأُوصِيكُم -أَيُّهَا النَّاسُ- وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَهِيَ وَصِيَّةُ اللهِ لِلأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَهِيَ العِصمَةُ مِنَ الفِتَنِ، وَالأَمَانُ مِنَ المِحَنِ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحكَمِ سُورَةِ النِّسَاء:
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَقَد خَصَّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِمُعجِزَةِ «جَوَامِعِ الكَلِمِ»؛ فَيَتَكَلَّمُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِالجُملَةِ الوَجِيزَةِ المَعدُودَةِ الأَلفَاظِ، فَإِذَا هِيَ تَجمَعُ عُلُومَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَتَرْسُمُ مَنهَجَ حَيَاةٍ مُتَكَامِلًا لَا تَحتَاجُ البَشَرِيَّةُ مَعَهُ إِلَى زِيَادَةٍ!
وَمِن أَعظَمِ هَذِهِ الجَوَامِعِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي دَارَ عَلَيهَا فَلَكُ الإِسلَامِ، وَحَقَّ لَهَا أَن تُكتَبَ بِمَاءِ العُيُونِ عَلَى صَفَحَاتِ القُلُوبِ؛ تِلكَ الوَصِيَّةُ الخَالِدَةُ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ وَالتِّرمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، عَن أَبِي ذَرٍّ جُندَبِ بنِ جُنَادَةَ، وَأَبِي عَبدِ الرَّحمَنِ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «اتَّقِ اللهَ حَيثُمَا كُنتَ، وَأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»!
تَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- هَذَا الإِعجَازَ التَّربَوِيَّ البَاهِرَ فِي ثَلَاثِ جُمَلٍ قَصِيرَةٍ لَا تَتَجَاوَزُ إِحدَى عَشرَةَ كَلِمَةً!
قَالَ الإِمَامُ الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ الحَنبَلِيُّ وَالإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُمَا اللهُ: إِنَّ العَبدَ فِي هَذِهِ الدُّنيَا لَا يَخرُجُ حالُهُ عَن ثَلَاثِ عَلَاقَاتٍ وَحُقُوقٍ كُبرَى:
أَوَّلُهَا: عَلَاقَتُهُ بِرَبِّهِ وَخَالِقِهِ سُبحَانَهُ؛ وَقَد جَمَعَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي قَولِهِ: «اتَّقِ اللهَ حَيثُمَا كُنتَ»!
وَثَانِيهَا: عَلَاقَتُهُ بِنَفسِهِ وَتَطبِيبُهَا إِذَا غَلَبَتهَا الشَّهوَةُ أَو أَزلَّتْ بِهَا القَدَمُ؛ وَقَد جَمَعَهَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي قَولِهِ: «وَأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا»!
وَثَالِثُهَا: عَلَاقَتُهُ بِالخَلقِ وَالمُجتَمَعِ مِن حَولِهِ؛ وَقَد جَمَعَهَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي قَولِهِ: «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»!
فَمَن قَامَ بِهَذِهِ الكَلِمَاتِ الثَّلَاثِ فَقَد أَدَّى حَقَّ اللهِ، وَأَنقَذَ نَفسَهُ، وَأَحسَنَ إِلَى خَلقِ اللهِ، فَحَازَ خَيرَيِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ!
فَتَعَالَوا بِنَا -يَا عِبَادَ اللهِ- نَقِفْ ثَلَاثَ وَقَفَاتٍ إِيمَانِيَّةٍ خَاشِعَةٍ مَعَ هَذَا الدُّستُورِ النَّبَوِيِّ العَظِيم:
الوَقفَةُ الأُولَى: مَعَ قَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقِ اللهَ حَيثُمَا كُنتَ»!
مَا هِيَ التَّقوَى الَّتِي أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَن نَستَصحِبَهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ؟
التَّقوَى كَمَا عَرَّفَهَا التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ طَلقُ بنُ حَبِيبٍ رَحِمَهُ اللهُ بِتَعرِيفٍ أَجمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى حُسنِهِ هِيَ: «أَن تَعمَلَ بِطَاعَةِ اللهِ، عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، تَرجُو ثَوَابَ اللهِ؛ وَأَن تَترُكَ مَعصِيَةَ اللهِ، عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، تَخَافُ عِقَابَ اللهِ»!
وَسَأَلَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أُبَيَّ بنَ كَعبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ التَّقوَى، فَقَالَ لَهُ أُبَيٌّ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، أَمَا سَلَكتَ طَرِيقًا ذَا شَوكٍ؟ قَالَ: بَلَى! قَالَ: فَمَا عَمِلتَ؟ قَالَ: شَمَّرتُ وَاجتَهَدتُ! قَالَ أُبَيٌّ: «فَذَلِكَ التَّقوَى»!
وَلَكِنْ تَأَمَّلُوا -يَا رَعَاكُمُ اللهُ- هَذَا القَيدَ العَظِيمَ الَّذِي أَضَافَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «حَيثُمَا كُنتَ»!
لِمَاذَا قَالَ: «حَيثُمَا كُنتَ»؟ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَتَّقِي اللهَ إِذَا كَانَ فِي المَسجِدِ، أَو إِذَا كَانَ بَينَ أَعيُنِ النَّاسِ وَكَمِيرَاتِ المُرَاقَبَةِ، أَو إِذَا كَانَ فِي بَلَدِهِ بَينَ أَهلِهِ وَجِيرَانِهِ؛ فَإِذَا سَافَرَ إِلَى بَلَدٍ لَا يَعرِفُهُ فِيهِ أَحَدٌ، أَو أَغلَقَ عَلَى نَفسِهِ بَابَ غُرفَتِهِ، أَو خَلَا بِشَاشَةِ هَاتِفِهِ فِي ظُلمَةِ اللَّيلِ، نَسِيَ تَقوَى اللهِ، وَجَعَلَ اللهَ أَهوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيهِ!
فَجَاءَ قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقِ اللهَ حَيثُمَا كُنتَ» لِيُعلِنَ لَكَ أَنَّ رَبَّ المسجِدِ هُوَ رَبُّ السُّوقِ وَالبَيتِ وَالطَّرِيقِ! وَأَنَّ رَبَّ العَلَانِيَةِ هُوَ رَبُّ السَّرِيرَةِ وَالخَلوَةِ! وَأَنَّ الَّذِي يَرَاكَ فِي النَّهَارِ بَينَ الزِّحَامِ هُوَ الَّذِي يَرَاكَ فِي جَوفِ اللَّيلِ تَحتَ الأَغطِيَةِ وَفِي الظَّلَامِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ المُجَادَلَة:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾!
وَفِي سُورَةِ النِّسَاءِ يَقُولُ سُبحَانَهُ فَاضِحًا حَالَ مَن يَخشَى النَّاسَ وَلَا يَخشَى الله:
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾!
اُنظُرُوا كَيفَ أَثمَرَتْ هَذِهِ الوَصِيَّةُ «اتَّقِ اللهَ حَيثُمَا كُنتَ» فِي قُلُوبِ الجِيلِ الأَوَّلِ:
خَرَجَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا يَومًا فِي بَعضِ نَوَاحِي المَدِينَةِ وَمَعَهُ أَصحَابُهُ، فَوَضَعُوا سُفرَةً لَهُم، فَمَرَّ بِهِم رَاعِي غَنَمٍ شَابٌّ فِي الصَّحرَاءِ القَاحِلَةِ، فَقَالَ لَهُ ابنُ عُمَرَ مُختَبِرًا أَمَانَتَهُ وَتَقوَاهُ: يَا رَاعِي، بِعنَا شَاةً مِن هَذِهِ الغَنَمِ! فَقَالَ الرَّاعِي: إِنَّهَا لَيسَتْ لِي، إِنَّمَا أَنَا عَبدٌ مَملُوكٌ أَرعَاهَا لِسَيِّدِي! فَقَالَ لَهُ ابنُ عُمَرَ مُمتَحِنًا: قُلْ لِسَيِّدِكَ أَكَلَهَا الذِّئبُ! -وَلَا يَرَاكَ فِي هَذِهِ الفَلَاةِ أَحَدٌ-، فَانتَفَضَ الرَّاعِي وَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ كَلِمَةً هَزَّتْ كِيَانَ ابنِ عُمَرَ: «فَأَينَ اللهُ؟!»!
فَبَكَى عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَظَلَّ يُرَدِّدُ: «فَأَينَ اللهُ؟! فَأَينَ اللهُ؟!»، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى سَيِّدِ الغُلَامِ فَاشتَرَاهُ مِنهُ وَأَعتَقَهُ لِوَجهِ اللهِ، وَاشْتَرَى لَهُ الغَنَمَ كُلَّهَا وَوَهَبَهَا لَهُ، وَقَالَ لَهُ: «أَعتَقَتْكَ هَذِهِ الكَلِمَةُ فِي الدُّنيَا، وَأَرجُو أَن تُعتِقَكَ فِي الآخِرَةِ»!
وَصدقَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ حِينَ قَال:
إِذَا مَا خَلَوتَ الدَّهرَ يَومًا فَلَا تَقُلْ ... خَلَوتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ
وَلَا تَحسَبَنَّ اللهَ يَغفُلُ سَاعَةً ... وَلَا أَنَّ مَا تُخفِيهِ عَنهُ يَغِيبُ
الوَقفَةُ الثَّانِيَةُ: مَعَ قَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا»!
يَا لَرَحمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ، وَيَا لَحِكمَةِ النَّبِيِّ الطَّبِيبِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!
لَقَد عَلِمَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الإِنسَانَ مَهمَا اجتَهَدَ فِي التَّقوَى فَإِنَّهُ بَشَرٌ ضَعِيفٌ غَيرُ مَعصُومٍ، قَد تَغلِبُهُ نَفسُهُ، أَو يُوسوِسُ لَهُ شَيطَانُهُ، فَيَقَعُ فِي الهَفوَةِ وَالزَّلَّةِ وَالسَّيِّئَةِ؛ فَلَم يَترُكْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَرِيسَةً لِليَأسِ وَالقُنُوطِ، بَل وَضَعَ بَينَ يَدَيهِ الوَصفَةَ النَّبَوِيَّةَ العَاجِلَةَ لِمَحوِ آثَارِ الذَّنبِ قَبلَ أَن يَستَفحِلَ سُمُّهُ فِي القَلبِ: «وَأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا»!
فَكُلَّمَا زَلَّتْ بِكَ القَدَمُ فِي سَيِّئَةٍ، فَبَادِرْ فَوْرًا دُونَ تَسْوِيفٍ بِحَسَنَةٍ قَوِيَّةٍ صَادِقَةٍ تَمحُو أَثَرَهَا وَتَغسِلُ دَرَنَهَا مِن صَحِيفَتِكَ وَمِن قَلبِكَ!
وَأَعظَمُ الحَسَنَاتِ الَّتِي تَمحُو السَّيِّئَاتِ هِيَ «حَسَنَةُ التَّوبَةِ النَّصُوحِ وَالِاستِغفَارِ الصَّادِقِ»، ثُمَّ سَائِرُ الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ مِنَ الوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ وَالذِّكرِ وَالإِحسَانِ إِلَى الخَلقِ!
أَلَم تَسمَعُوا تِلكَ القِصَّةَ المَشهُورَةَ الثَّابِتَةَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنِ امرَأَةٍ قُبلَةً -أَي مَا دُونَ الفَاحِشَةِ الكُبرَى-، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَادِمًا مُحتَرِقَ القَلبِ فَأَخبَرَهُ، فَأَنزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَولَهُ الكَرِيمَ فِي سُورَةِ هُود:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾!
فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِي هَذَا خَاصَّةً؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ البِشَارَةَ العُظمَى لِكُلِّ مُؤمِنٍ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ: «بَل لِلنَّاسِ عَامَّةً»!
وَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعمَلُ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ يَعمَلُ الحَسَنَاتِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَتْ عَلَيهِ دِرعٌ ضَيِّقَةٌ قَد خَنَقَتهُ، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً فَانفَكَّتْ حَلقَةٌ، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً أُخرَى فَانفَكَّتْ حَلقَةٌ أُخرَى، حَتَّى يَخرُجَ إِلَى الأَرضِ»!
فَإِذَا أَذنَبتَ بِاللَّيلِ فَأَتبِعْ ذَنبَكَ بِرَكعَتَينِ فِي جَوفِ اللَّيلِ وَاستِغفَارٍ فِي السَّحَرِ! وَإِذَا فَرَطَتْ مِنكَ كَلِمَةٌ أَو غَفْلَةٌ فِي النَّهَارِ فَأَتبِعهَا بِصَدَقَةٍ تُطفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطفِئُ المَاءُ النَّارَ!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ الأَعلَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَهلِ المَكَارِمِ وَالنُّهَى، أَمَّا بَعد:
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَقِفُوا مَعِي الوَقفَةَ الثَّالِثَةَ مَعَ هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الجَامِعِ، وَهِيَ قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»!
وَسَلُوا أَنفُسَكُم: لِمَاذَا قَرَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ «حُسنَ الخُلُقِ مَعَ النَّاسِ» بِـ«تَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»؟
قَالَ الإِمَامُ ابنُ رَجَبٍ وَابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُمَا اللهُ: إِنَّمَا جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَينَ التَّقوَى وَحُسنِ الخُلُقِ لِأَنَّ أَكثَرَ النَّاسِ يَظُنُّونَ أَنَّ التَّقوَى هِيَ القِيَامُ بِحَقِّ اللهِ دُونَ حُقُوقِ العِبَادِ، بَل قَد يَظُنُّ بَعضُ الجُهَّالِ أَنَّ مِن تَمَامِ التَّقوَى وَالوَرَعِ التَّقطِيبَ فِي وُجُوهِ النَّاسِ، وَالعُبُوسَ، وَالغِلظَةَ، وَسُوءَ العِشرَةِ مَعَ الأَهلِ وَالجِيرَانِ!
فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُبَيِّنُ أَنَّ التَّقوَى الحَقِيقِيَّةَ فِي القَلبِ لَا بُدَّ أَن تَفيضَ عَلَى الجَوَارِحِ رَحمَةً وَلِينًا وَبَشَاشَةً وَحِلمًا وَأَمَانَةً مَعَ الخَلقِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَان:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾!
وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَابنِ حِبَّانَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن أَكثَرِ مَا يُدخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ؟ فَقَالَ: «تَقوَى اللهِ وَحُسنُ الخُلُقِ»!
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِن شَيءٍ أَثقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤمِنِ يَومَ القِيَامَةِ مِن خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللهَ لَيُبغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ»!
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ المُؤمِنَ لَيُدرِكُ بِحُسنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ»!
وَمَا هُوَ حُسنُ الخُلُقِ يَا عِبَادَ الله؟
لَخَّصَهُ الإِمَامُ عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ وَالحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي كَلِمَاتٍ ثَلَاثٍ: «هُوَ بَسطُ الوَجهِ، وَبَذلُ المَعرُوفِ، وَكَفُّ الأَذَى»؛ أَن تَلقَى النَّاسَ بِوَجهٍ طَلْقٍ مُبتَسِمٍ، وَأَن تَبذُلَ لَهُم مِن نَفعِكَ وَإِحسَانِكَ، وَأَن تَكُفَّ عَنهُم أَذَى لِسَانِكَ وَيَدِكَ، وَتَحتَمِلَ مَا يَبْدُرُ مِنهُم بِالعَفوِ وَالصَّفحِ الجمِيل!
وَاعلَمُوا أَنَّ أَولَى النَّاسِ بِحُسنِ خُلُقِكَ هُم أَهلُ بَيتِكَ؛ وَالِدَاكَ، وَزَوجُكَ، وَأَبنَاؤُكَ؛ فَلَيسَ مِنَ المُرُوءَةِ وَلَا مِنَ الدِّيَانَةِ أَن يَكُونَ الرَّجُلُ هَشًّا بَشًّا كَرِيمَ الخُلُقِ مَعَ الأَبعَدِينَ فِي المَجَالِسِ، فَإِذَا دَخَلَ بَيتَهُ صَارَ فِيهِ كَالسَّبُعِ الضَّارِي شَتمًا وَقَسوَةً وَتَقطِيبًا؛ وَقَد قَالَ خَيرُ الخَلقِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «خَيرُكُم خَيرُكُم لِأَهلِهِ، وَأَنَا خَيرُكُم لِأَهلِي»!
أَلَا فَاجعَلُوا -رحِمَكُمُ اللهُ- هَذِهِ الثُّلَاثِيَّةَ النَّبَوِيَّةَ المَبَارَكَةَ شِعَارًا لِحَيَاتِكُم: تَقوَى للهِ فِي الخَلَوَاتِ وَالجَلَوَاتِ، وَمُسَارَعَةً إِلَى مَحوِ السَّيِّئَاتِ بِالحَسَنَاتِ، وَمُعَامَلَةً لِلخَلقِ بِأَحسَنِ الأَخلَاقِ وَالصِّفَاتِ!
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي قَولِهِ الكَرِيم:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ خَشيَتَكَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ، وَالقَصدَ فِي الفَقرِ وَالغِنَى، وَنَسأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنفَدُ، وَقُرَّةَ عَينٍ لَا تَنقَطِعُ، وَنَسأَلُكَ الرِّضَا بَعدَ القَضَاءِ، وَبَردَ العَيشِ بَعدَ المَوتِ.
اللَّهُمَّ كَمَا أَحسَنتَ خَلقَنَا فَحَسِّنْ أَخلَاقَنَا، وَاهدِنَا لِأَحسَنِ الأَخلَاقِ لَا يَهدِي لِأَحسَنِهَا إِلَّا أَنتَ، وَاصرِف عَنَّا سَيِّئَهَا لَا يَصرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنتَ، وَامحُ سَيِّئَاتِنَا بِحَسَنَاتِنَا، وَبَدِّلْ خَطَايَانَا طَاعَاتٍ وَقُرُبَاتٍ يَا غَفُورُ يَا رَحِيم.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
وَقَفَاتٌ إِيمَانِيَّةٌ وَتَربَوِيَّةٌ مَعَ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: اتَّقِ اللهَ حَيثُمَا كُنتَ وَأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.