من مكتبة مِداد الخطيب

صِغَارٌ فِي أَعْمَارِهِم.. كِبَارٌ فِي أَفْعَالِهِم

مشاركة
🕌 صِغَارٌ فِي أَعْمَارِهِم.. كِبَارٌ فِي أَفْعَالِهِم #خطبة_جمعة #تربية_الأبناء #عظماء_الأطفال #الشباب #القدوة #سيرة_تاريخ #الأسرة الحمدُ للهِ الذي أودَعَ في القُلوبِ الغَضَّةِ بذورَ الفِطرَة، وجَعَلَ الأطفالَ زينةَ الحياةِ الدُّنيا وقُرَّةَ أعيُنِ الصَّالحين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، يَصطَفي من عبادِهِ مَن يَشاءُ ولو كانَ صَبيًّا في المَهد، وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، أرحَمُ النَّاسِ بالصِّغار، وأعظَمُ مَن رَبَّى الأجيال، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد: أيها الإخوة الكرام، هل سَألتُم أنفُسَكم يومًا ونحن نَنظُر إلى أبنائنا في البُيوت يَلعَبون ويَضحَكون: ماذا يَرى الإسلامُ في هؤلاء الصِّغار؟ نحنُ — في مَقاييسنا البشريَّة — نَنظُر إلى الطِّفلِ على أنَّه مُجَرَّدُ كائنٍ ضَعيف، يَحتاجُ إلى الطَّعامِ والشَّرابِ واللَّعِب، نَنتَظِرُ أن يَكبُرَ لِنَبدأ مَعَهُ الحَديثَ الجادّ. لكنَّ القُرآنَ العظيم، والسِّيرَةَ النَّبَويَّةَ المُطَهَّرَة، لَها نَظرَةٌ أُخرى تَمامًا. الإسلامُ لا يَرى الطِّفلَ "مَشروعَ إنسانٍ مُؤَجَّل"، بَل يَراهُ إنسانًا كامِلَ الفِطرَة، قابِلًا للعَظَمَةِ، قادرًا على استيعابِ التَّوحيدِ وتَحَمُّلِ المَسؤوليَّةِ بل وتَغييرِ مَسارِ التَّاريخ! يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى عن نبيِّهِ يَحيى عليه السلام: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: 12]. تأمَّلوا هذه الآية! الحُكمُ، والفَهمُ، والحِكمَةُ، أُعطِيَت لَهُ وهو "صَبيّ". لا يُشتَرَطُ الشَّيبُ لِيَسكُنَ الإيمانُ في القَلب، ولا تُشتَرَطُ التَّجارِبُ الطَّويلَةُ لِيَنطِقَ اللِّسانُ بالحَقّ. يقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّم رحمه الله في كتابه تحفة المودود: "إنَّ الصَّبيَّ وإن لم يَكُن مُكَلَّفًا، فإنَّ قَلبَهُ قابِلٌ للإيمانِ والمَعرِفَةِ وتَعظيمِ الرَّبِّ سُبحانَه، وفِطرَتُهُ أصفى من فِطرَةِ الكَبيرِ الذي غَشِيَتهُ الشَّهَوات". قلبُ الطِّفلِ صَفحةٌ بيضاء، ما تَكتُبُهُ فيهِ اليوم، سَتَقرَؤُهُ غَدًا في صَحيفَتِك. عبادَ الله، لِكَي نُدرِكَ حَجمَ العَظَمَةِ التي يُمكِنُ أن تَسكُنَ في صَدرِ طِفل، دَعُوني أعودُ بكُم إلى قِصَّةٍ زَلزَلَتِ التَّاريخ، وخَلَّدَها الوَحي. قِصَّةُ طِفلٍ واحِد.. غُلامٍ صَغير، لم يَحكُم جَيشًا، ولم يَملِك مالًا، لكنَّهُ استَطاعَ أن يَهزِمَ إمبراطوريَّةَ ظُلمٍ كامِلَة. واسمعوا لهذه القصة العظيمة التي رواها الإمام مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ؛ قصةُ "غُلامِ الأخدود". كان هذا الغُلامُ يَتَعَلَّمُ السِّحرَ لِيَكونَ خَليفَةَ ساحِرِ المَلِك، لكنَّ فِطرَتَهُ النَّقيَّةَ قادَتهُ إلى راهِبٍ مُوَحِّد، فآمَنَ الغُلامُ باللهِ رَبِّ العالَمين. وبَدَأَ الغُلامُ — بِبَركةِ إيمانِه — يَشفي الأكمَهَ والأبرَصَ بإذنِ الله، ويَدعو النَّاسَ إلى التَّوحيد. عَلِمَ المَلِكُ الطَّاغيةُ بأمرِه، فَجُنَّ جُنونُه. طِفلٌ يُهَدِّدُ مُلكَه! أمَرَ المَلِكُ بجُندِهِ أن يَأخُذوا الغُلامَ إلى قمَّةِ جَبَلٍ لِيُلقُوه، فَدَعا الغُلامُ رَبَّه: "اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ"، فَرَجَفَ الجَبَلُ وسَقَطَ الجُند، وعادَ الغُلامُ يَمشي إلى المَلِك! أرسَلَهُ في سَفينَةٍ لِيُغرِقوه، فَدَعا رَبَّه، فَغَرِقَ الجُندُ وعادَ الغُلامُ يَمشي إلى المَلِك! تَخَيَّلوا المَشهَد! المَلِكُ يَرتَجِفُ أمامَ طِفل! وهنا تَجلَّت عَظَمَةُ هذا الصَّغير. هل هَرَب؟ هل طَلَبَ النَّجاةَ بِنَفسِه؟ لا. قال الغُلامُ للمَلِك — بكلِّ شَجاعةٍ —: "إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ". قال: وما هو؟ قال: "تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلِبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي". يا لَعَظَمَةِ هذا الدِّين! الطِّفلُ يُخَطِّطُ لِمَوتِهِ نَفسِه، لِيَكونَ مَوتُهُ شَرارَةَ حَياةٍ لأُمَّةٍ كامِلَة. فَعَلَ المَلِكُ الغَبيُّ ما أُمِرَ به، وقَعَ السَّهمُ، وماتَ الغُلام. فماذا صَرَخَ النَّاسُ جميعًا في نفس اللحظة؟ صَرَخوا بصوتٍ واحد: "آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ! آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ!". وهنا حَفَرَ المَلِكُ الأخاديدَ وأشعَلَ النِّيران، ليَسَطِّرَ القرآنُ هذه البطولةَ بقوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: 8]. طِفلٌ واحِد، بِيَقينٍ صادِق، أحيا الإيمانَ في أُمَّةٍ كامِلَة. فأينَ نحنُ من غَرسِ هذا اليَقينِ في صُدورِ صِغارِنا؟ ولعلكم تسألون: هل هذه العظمة محصورة في الأمم السابقة؟ الجواب: بل تجلّت بأبهى صورها في أمة محمد ﷺ. انظروا إلى جيلِ الصَّحابَة، ستَجِدونَ أنَّ كَثيرًا من أبطالِهم كانوا أطفالًا وشَبابًا صِغارًا. خُذوا مَثَلًا إسماعيلَ عليه السلام قبلهم، حين أمر الله أباه بذبحه، لم يبكِ ولم يهرب، بل قال بيقين راسخ: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]. هذا تسليم الكبار في قلب طفل. ونعود لجيل الصحابة.. واسمعوا لهذا المشهد العجيب الذي يرويه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في غزوة بدر. المعركةُ طاحنة، والسُّيوفُ تَضرِب. يقول عبد الرحمن: "إنِّي لَفي الصَّفِّ يومَ بَدر، إذ التَفَتُّ فإذا عن يَميني وعن يَساري غُلامانِ حَديثا السِّنِّ، فَكَأَنِّي لم آمَن بِمَكانِهِما". (أي تَمنَّى لو كان بِجانِبِهِ رِجالٌ كِبارٌ لِيَحمُوه). يقول: "فَأَسَرَّ إلَيَّ أحَدُهُما (هَمَسَ في أُذُني) فَقال: يا عَمّ، هَل تَعرِفُ أبا جَهل؟ قُلتُ: نَعَم، وما حاجَتُكَ إليهِ يا ابنَ أخي؟ قال: أُخبِرتُ أنَّهُ يَسُبُّ رَسولَ اللهِ ﷺ، والَّذي نَفسي بِيَدِه لَئِن رَأيتُهُ لا يُفارِقُ سَوادي سَوادَهُ حتَّى يَموتَ الأعجَلُ مِنَّا". يقول عبد الرحمن: فَتَعَجَّبتُ لذلك! فَغَمَزَني الآخَرُ فَقالَ لي مِثلَها! فلم أَنشَب (لم ألبث) أن نَظَرتُ إلى أبي جَهلٍ يَجولُ في النَّاس، فقُلتُ: ألا تَرَيانِ؟ هذا صاحِبُكُما. فَابتَدَراهُ بِسَيفَيهِما فضَرَباهُ حتى قَتَلاه! غُلامان صَغيران — مُعاذٌ ومُعَوِّذٌ ابنا عَفراء — لم يَبحَثا عن غَنائِم، لم يَقِفا في الخُطوطِ الخَلفيَّةِ خَوفًا. بَل كانَ هَمُّهُما الأكبَر: مَنِ الَّذي آذاءَ نَبيَّنا ﷺ؟ الله أكبر! أيُّ هِمَّةٍ هذه؟ أيُّ تَربِيَةٍ تِلكَ التي أخرَجَت أطفالًا تَصغُرُ الدُّنيا في أعيُنِهم، وتَعظُمُ نُصرَةُ الدِّينِ في قُلوبِهم؟ أيها المسلمون، لم تكن عظمة الأطفال في الإسلام مقتصرة على ميادين الشجاعة والقتال، بل تجلت في ميادين العلم والذكاء. تأمَّلوا في قِصَّةِ الطِّفلِ المُعجِزَة، زَيدِ بنِ ثابِتٍ رضي الله عنه. لَمَّا قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ المَدينة، كان زَيدٌ غُلامًا صَغيرًا، عُمُرُهُ إحدى عَشرَةَ سَنة! جيءَ به إلى النَّبيِّ ﷺ فقيل: يا رسولَ الله، هذا غُلامٌ من بني النَّجَّار، قد قَرَأ ممَّا أُنزِلَ عليك سَبعَ عَشرَةَ سُورَة. فقَرَأ الغُلامُ أمامَ النَّبيِّ ﷺ، فأعجَبَهُ ذلك. تدرون ماذا حدث بعد ذلك؟ النَّبيُّ ﷺ أدرَكَ ذَكاءَ هذا الصَّبي، فكَلَّفَهُ بِمُهِمَّةٍ ديبلوماسيَّةٍ عُظمى. قال له: «تَعَلَّم لي كِتابَ يَهود، فإنِّي واللهِ ما آمَنُ يَهودَ على كِتابي». يقول زيد: "فَتَعَلَّمتُهُ لَهُ في نِصفِ شَهر!". في خَمسَةَ عَشَرَ يومًا، تَعَلَّمَ هذا الطِّفلُ لُغَةً جَديدةً (السُّريانيَّة أو العِبريَّة) قِراءَةً وكِتابَةً، وأصبَحَ المُتَرجِمَ الرَّسميَّ لِدَولَةِ الإسلام! قال الإمامُ الذَّهَبيُّ رحمه الله في "سِيَر أعلام النُّبلاء" مُعَلِّقًا على شَأنِ الغِلمان النُّجباء: "إنَّ العِلمَ في الصِّغَرِ كالنَّقشِ في الحَجَر، فَمَن أُهمِلَ في صِغَرِه، فاتَهُ شَأوٌ بَعيدٌ في الكِبَر". ومن العجائب، أنَّنا نقرأ هذه السِّيَرَ اليوم، ثمَّ نَعودُ إلى بُيوتِنا فَنَنظُر إلى أبنائِنا وهم في نَفسِ أعمارِ زيدٍ ومُعاذ، نَجِدُهُم غارقينَ في شاشاتِ الهَواتِف، يَقضونَ السَّاعاتِ في ألعابٍ لا تَصنَعُ عَقلًا، ويُتابِعونَ تَفاهاتٍ تُفسِدُ الفِطرَة! ألا يُشبِهُ هذا حالَ كَثيرٍ منَّا؟ نُقَزِّمُ أحلامَهم، ونَكتَفي بأن نُطِعمَهُم ونَكسُوَهُم، ونَنسى أنَّنا نُرَبِّي جِيلًا يَجِبُ أن يَحمِلَ رايَةَ أُمَّة! يا عباد الله، إن كُنتُم تَظُنُّونَ أنَّ زَمانَ العَظَمَةِ المُبَكِّرَةِ قَد وَلَّى، فانظُروا اليومَ إلى أطفالِنا في غَزَّةَ العِزَّة، وفي كُلِّ أرضٍ يُستَضعَفُ فيها المُسلمون. أطفالٌ تَرَوُّنَهُم يَخرُجونَ من تَحتِ الرُّكام، غُبارُ القَصفِ يُغَطِّي وُجوهَهُم الدَّاميَة، ورَغمَ هَولِ الفَزَع، تَجِدُ الغُلامَ مِنهُم يَقولُ بِصَوتٍ لا يَهتَز: "حَسبُنا اللهُ ونِعمَ الوَكيل"، وتَجِدُ البِنتَ الصَّغيرَةَ تُتَمْتِمُ بِآياتِ القُرآنِ وهي تَحتَ الأنقاض! مِن أينَ جاؤوا بهذا الثَّبات؟ كيف تَقاصَرَت أمامَهُمُ الجِبالُ وهم لم يَبلُغوا الحُلُم؟ إنَّهُ الإيمانُ العَميق، إنَّها عَقيدَةُ ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: 51] حينَ تُغرَسُ في صَدرِ الطِّفل، فَتَصنَعُ مِنهُ رَجُلًا قَبلَ الأوان. صَدَقَ اللهُ وَعدَهُ إذ يَقول: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27]. يا مَعاشِرَ الآباءِ والأُمَّهات، يقولُ الغَزاليُّ رحمه الله في "الإحياء": "الصَّبيُّ أمانَةٌ عِندَ والِدَيه، وقَلبُهُ الطَّاهِرُ جَوهَرَةٌ نَفيسَةٌ ساذِجَةٌ، خاليَةٌ عَن كُلِّ نَقشٍ وصُورَة، وهو قابِلٌ لِكُلِّ ما نُقِشَ فيه، ومائِلٌ إلى كُلِّ ما يُمالُ بِهِ إلَيه. فَإِن عُوِّدَ الخَيرَ وعُلِّمَهُ نَشَأَ عَلَيه، وسَعِدَ في الدُّنيا والآخِرَة... وإن عُوِّدَ الشَّرَّ وأُهمِلَ إهمالَ البَهائِمِ شَقِيَ وهَلَك، وكانَ الوِزرُ في رَقَبَةِ القَيِّمِ بِهِ والوَلِيِّ لَه". وواللهِ إنَّ الخَطَرَ اليَومَ مُضاعَف! فَلَيسَ التَّحَدِّي في الشَّارِعِ فَحَسْب، بل التَّحَدِّي الأكبَرُ في هذا الجِهازِ الصَّغيرِ الذي يَحملونَهُ في أيدِيهِم. شاشاتٌ تُسَرِّبُ إليهِمِ الشُّبُهاتِ في لِباسِ التَّسلِيَة، وتُشَوِّهُ فِطرَتَهُم بِمُحتَوًى مَدروسٍ يَنزِعُ الحَياءَ ويَمحُو الهُوِيَّة. إن لم تَملَأ أنتَ وِعاءَ قَلبِ ابنِكَ بالنُّور، فَتَأَكَّد أنَّ هُناكَ مَن يَملَؤُهُ بالظَّلام. فكِّروا معي: كم نَحرِصُ على دَرجاتِهِمُ المَدرَسيَّة، ونَغضَبُ إن نَقَصوا دَرَجَة؟ وفي المُقابِل.. كم مَرَّةً غَضِبنا أو تألَّمنا إن نَسُوا الصَّلاة، أو هَجَروا القُرآن، أو تَفَوَّهوا بكَلِمَةٍ لا تَلِيق؟ المُوازَنَةُ مَقلوبَة، والأولَويَّاتُ مُختَلَّة، والقُرآنُ يَهتِفُ بِنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً عبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن صُورِ العَظَمَةِ في أطفالِ المُسلِمين، وكيفَ أنَّ الإيمانَ إذا لامَسَ شَغافَ قَلبِ الطِّفلِ صَنَعَ مِنهُ بَطَلًا يَثبُتُ حينَ يَميدُ الكِبار، وسَرَدنا مَواقِفَ لِغُلامِ الأُخدود، وأشبالِ بَدر، وعَبقَريَّةِ زَيدِ بْنِ ثابِت، وثَباتِ أطفالِ غَزَّةَ اليَوم. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأهمِّ الَّذي سيُحَدِّدُ مَسارَ أبنائِنا: كيفَ نَستَخرِجُ هذهِ العَظَمَةَ مِن صِغارِنا في بُيوتِنا اليَوم؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لِتَكونَ خارِطَةَ طَريقٍ في تَربِيَةِ عُظَماءِ الغَد: الأولى (قَلبيَّة): اِزرَعوا في قُلوبِهِم حُبَّ اللهِ والشَّوقَ لِلجَنَّةِ قَبلَ التَّخويفِ مِنَ النَّار. حَدِّثوهُم عن لُطفِ اللهِ ورَحمَتِه. قال النبيُّ ﷺ: «كُلُّ مَولودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ»، فَحافِظوا على هذهِ الفِطرَةِ، واجعَلوا نيَّتَكُم في تَربِيَتِهِم خالِصَةً للهِ، تَجِدوا البَرَكَةَ في صَلاحِهِم. الثانية (لِسانيَّة): خاطِبوهُم بِاحتِرامٍ وثِقَة. تَأمَّلوا نِداءاتِ لُقمانَ لابنِه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾. ولاحِظوا نِداءَ النَّبيِّ ﷺ لابنِ عبَّاس: «يا غُلامُ، إنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ: احفَظِ اللَّهَ يَحفَظكَ...». اللِّسانُ الَّذي يُقَزِّمُ الطِّفلَ ويُكثِرُ توبيخَهُ يَقتُلُ إبداعَهُ، واللِّسانُ الَّذي يَرفَعُ قَدرَهُ يَصنَعُ مِنهُ قائِدًا. ابدَؤوا من اليوم بمخاطبة أبنائكم كأنهم رجال المستقبل. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): كَلِّفوهُم بِمَسؤوليَّاتٍ حَقيقيَّة. الطِّفلُ الَّذي لا يَعمَلُ شَيئًا في بَيتِهِ سَيَكبُرُ اتِّكاليًّا. خُذوهُم مَعكُم إلى المَساجِد، أشرِكوهُم في التَّصَدُّق، عَلِّموهُم كَيفَ يُساعِدونَ أُمَّهُم في البَيت. أخرِجوهُم من قَوقَعَةِ اللَّعِبِ الدَّائِمِ إلى حَلاوَةِ الإنجاز. الرابعة (اجتماعيَّة): راقِبوا صُحبَتَهُم وبِيئَتَهُم. والصُّحبَةُ اليَومَ لَيسَت أبناءَ الجيرانِ فَقَط، بَل هي الحِساباتُ والمَقاطِعُ الَّتي يُتابعونَها. كُونوا أنتم أقربَ أصدقائهم، خصصوا وقتاً للجلوس معهم بعيداً عن الشاشات، استمعوا لحكاياتهم التافهة في نظركم لكي يرووا لكم حكاياتهم العميقة حين يكبرون. الخامسة (موضوعيَّة): استَبدِلوا أبطالَ الوَهمِ بِأبطالِ الحَقيقَة. لِماذا يَحفَظُ ابنُكَ أسماءَ شَخصيَّاتِ الأفلَامِ الخَياليَّةِ الَّتي لا حَقيقَةَ لَها، ولا يَعرِفُ مَن هو أُسامَةُ بنُ زَيد، أو مُصعَبُ بنُ عُمَير؟ قُصُّوا عَلَيهِم قِصَصَ القُرآنِ والسِّيرَةِ قَبلَ النَّوم، فَالقِصَّةُ تَسكُنُ وِجدانَ الطِّفلِ وتَرسُمُ مَسارَ حَياتِه. فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله في أماناتِكُم، واعلَموا أنَّ هذا النَّشءَ هو أملُ هذه الأمة بعد الله. ثم صلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليه، عَمَلًا بِقَولِه جَلَّ وعَلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ ارزُقنا حُسنَ تَربِيَةِ أبنائِنا، وأعِنَّا على أداءِ الأمانَةِ الَّتي استَرعَيتَنا إيَّاها. اللَّهُمَّ حَبِّب إلَيهِمُ الإيمانَ وزَيِّنهُ في قُلوبِهِم، وكَرِّه إلَيهِمُ الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيان، واجعَلهُم مِنَ الرَّاشِدين. اللَّهُمَّ احفَظ عُقولَهُم مِنَ الشُّبُهات، واحفَظ قُلوبَهُم مِنَ الشَّهَوات، واحفَظ أعيُنَهُم وأسماعَهُم مِن فِتَنِ هذا الزَّمان. اللَّهُمَّ اجعَلهُم بُناةً لِهَذا الدِّين، حُماةً لِلعَقيدَة، قُرَّةَ عَينٍ لَنا في الدُّنيا، وشُفَعاءَ لَنا يَومَ نَلقاك. اللَّهُمَّ كَما قُلتَ في كِتابِكَ: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، فاستَجِب دُعاءَنا يا سَميعَ الدُّعاء. اللَّهُمَّ كُن لِلمُستَضعَفينَ في غَزَّةَ وفي كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ احفَظ صِغارَهُم، وارحَم شُهَداءَهُم، وداوِ جَرحاهُم، وانصُرهُم نَصرًا مُؤَزَّرًا مِن عِندِك. عبادَ الله، إنَّ اللهَ يأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.